تتعرض مدن وقرى وبلدات في محافظة إدلب السورية خلال الأيام القليلة الماضية إلى موجة ضارية من الهجمات الجوية والصاروخية سواء عبر الطائرات التابعة للنظام السوري أو الطائرات الروسية وكذلك من قبل المليشيات الإيرانية المتواجدة في المنطقة، الحصيلة الأولى لهذه الهجمات مقتل ما يقارب 300 مواطن سوري كثير منهم من الاطفال والنساء وأدت إلى موجة نزوح جديدة نحو مناطق أكثر أمنا، خصوصا في مناطق ما تسمى درع الفرات حيث هنالك تواجد كثيف للقوات التركية. هذا الوضع المأساوي إنما هو المشهد الأخير لسلسلة من التطورات التي شهدها الملف السوري على امتداد الأسابيع وربما السنوات الماضية. للتذكير فإن هذه المناطق، إدلب وأجزاء من ريف حماه وريف حلب تخضع لاتفاقية سوتشي ما بين تركيا وروسيا وبالتالي تركيا مسؤولة سياسيا، فضلا عن كونها مسؤولة أخلاقيا عن الأذى الذي يلحق بالمدنيين، باعتبارها الدولة الضامنة للمعارضة السورية، أكثر من ذلك فإنه بحسب بنود الاتفاق يجري تسيير دوريات مشتركة من أجل حماية الأمن وبالتالي السؤال الآن لماذا هذا القصف؟ ولماذا هذا التخلي عن اتفاقية سوتشي؟ وما الذي يحدث في حقيقة الأمر؟

هناك مرحلتان في فهم تركيا للملف السوري وربما حتى للملفات الأخرى في المنطقة، المرحلة الأولى عندما بدأت موجة التغيير أو ما سمي بالربيع العربي أو الثورات العربية، في تلك المرحلة فهم أردوغان أن ما يحدث في العالم العربي يمكن أن يكون فرصة لزيادة النفوذ التركي في المنطقة عموما. لذلك بحث عن حليف له ليس فقط على المستوى السياسي ولكن حتى على المستويات الأخرى ومنها المستوى الاجتماعي، ووجد في الإسلام السياسي عموما وجماعة الإخوان المسلمين على وجه التحديد حليفا موضوعيا، باعتبار أن أردوغان يأتي من حزب ذي خلفية إسلامية إخوانية وهو حزب العدالة والتنمية الوريث للأحزاب المتلاحقة التي أسسها نجم الدين أربكان، بالمقابل فإن أحزاب الإسلام السياسي، وخصوصا جماعة الإخوان، وجدت أن التجربة التركية يمكن أن تكون نبراسا لها باعتبار أنها سبقتها في الحكم، ويمكن أن تكون سندا لها. ومن هذا المنطلق فإن أردوغان عمد إلى دعم المعارضة السورية التي نشأت في العام 2011 على أساس أن تكون سورية ما بعد بشار الأسد حليفا وتابعا للنفوذ التركي، خصوصا أنه يريد توازنا مع النظام الإيراني، (بالمناسبة القراءة العميقة ترينا بأن تركيا لا تختلف في رغبتها بالسيطرة على المنطقة عن السياسة الإيرانية وإن اختلفت في بعض الوسائل)، ومن هنا كان استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين ومن هنا كانت المحاولة لتنسيق عمل المعارضة السورية. ولكن كل ذلك توقف بعد أن أدرك بأن الإرادة الدولية لا تريد إحداث تغيير حقيقي في سورية، تزامنا مع التدخل الروسي في سورية الذي حدث اعتبارا من شهر أيلول سبتمبر 2015 وكذلك المحاولة الانقلابية الفاشلة التي حدثت في تركيا جرى الدفع باتجاه التغيير في الرؤية التركية تجاه الملف السوري، وبعد أن كانت تركيا تدعم الثورة السورية والمعارضة السورية من أجل إحداث تغيير فتكون سورية تابعة للنفوذ التركي وتدور في فلكه، أصبحت أنقرة ترضي من الغنيمة السلامة، بمعنى أكثر وضوحا، أصبحت تريد أن لا تضر التطورات في الملف السوري مصالح الأمن القومي لديها. ما هي هذه المصالح؟ أولا إيقاف موجة اللجوء للسوريين إلى تركيا، ثانيا عدم إقامة كيان كردي في شمال سورية، ثالثا الوصول إلى تسوية وتهدئة تعيد اللاجئين السوريين إلى ديارهم بعد أن أصبح جزء كبير من النخبة السورية اللاجئة في هذا البلد موالية بشكل كبير لأردوغان وعصبته، وقد منح قسم كبير منهم الجنسية ويمكن لهذه النخبة أن تظهر وتكون مؤثرة وتكون أداة مستقبلية بيد تركيا. ومن هنا كان الانسجام إلى حد ما مع الرؤية الروسية. هذا التغير في الفهم التركي ساهم في إيجاد أرضية مشتركة مع الجانب الروسي، وبالمناسبة فإن أنقرة حاولت أن تجد ذلك التفاهم مع الجانب الأمريكي ولكن بقي الدعم الأمريكي للقوات الكردية حجر عثرة أمام هذا التفاهم التركي ـ الأمريكي، لذلك كان التركيز على الجانب الروسي لأنه كان أكثر استعدادا لإيجاد هذا التفاهم. اتفاق سوتشي كان يضمن هذه المصالح إلى حد معه ولكن من الواضح أن الجانب الروسي نظر إلى الاتفاق باعتباره مرحليا، لأن الخطة الروسية هي الحسم العسكري لصالح قوى النظام. بعد أن حدثت مفاوضات إستانا الأخيرة فإن تركيا عمليا تخلت عن منطقة إدلب، خصوصا أنها قبل ذلك أعطت أمرا للمليشيات التابعة لها بإخلاء المدن والقرى أمام جبهة النصرة حتى سيطر هذا التنظيم الإرهابي على معظم محافظة إدلب بما يعطي المبرر للجانب الروسي لضرب هذه المناطق وهذا عمليا ما يحدث الآن.

إذن تركيا خانت المعارضة السورية عندما قبلت بصفقات مع الجانب الروسي على حساب الثورة السورية. وهذه ليست المرة الأولى، فسابقا جرى اتفاق أن تطلق يد الروس في حلب مقابل إطلاق يد تركيا في عملية غصن الزيتون، والآن يتم إطلاق يد روسيا في إدلب بمقابل إطلاق يد تركيا في منطقه تل رفعت. أما السؤال عن المعارضة السورية فهو لا معنى له في إطار الفهم التركي لأن المعارضة تحولت إلى أداة بيد السياسة التركية سواء كانت فصائل أو حتى المعارضة السياسية، وها هي الآن يُلقى بها لمواجهة مصيرها وحيدة ومعزولة. أليست هي من تخلت عن دورها الوطني ورضيت أن تكون مرتزقة لدى النظام التركي!

* باحث في الفلسفة السياسية، خبير في قضايا الشرق الأوسط