ما أجمل أن يقرأ الإنسان نصا أدبيا ويتفاعل معه، «بريد الليل» نص أدبي رفيع المستوى، تحلق فيه الكاتبة والروائية اللبنانية «هدى بركات» كحمامة ترفرف بجناحيها من أعسب النخيل وحتى كف الريح، الرواية عبارة عن خمس رسائل موزعة على ثلاثة فصول هي «خلف النافذة»، «في المطار» و«موت البوسطجي» الرسالة الأولى كتبها حبيب إلى حبيبته، والثانية كتبتها حبيبة إلى حبيبها، والثالثة كتبها ابن إلى والدته، والرابعة كتبتها بنت إلى أخيها، والخامسة كتبها ابن إلى أبيه، رسائل مبعثرة تمضي مثقلة بالكثير من الحنين والرغبة في البكاء، لها طعم الملح ونكهة الوجع ومقبض الباب المؤدي إلى اللا شيء، حيث الرسائل لا تصل أبدا إلى مبتغاها وأصحابها، بل تمضي لشخص آخر في الرواية، حزن يغادر راحة المرسل ويسكن الأفق، والأفق في الرواية دائما شخصيات الرواية الآخرون، وهو ما يمنح المحكي في كل رسالة صلة بمحكي الرسائل الأخرى، رسائل حادة كشفرة جارحة، وأخرى نقية كماء الغمامة، صافية كقطرة الظل، رغم غبار الحزن المتناثر على حروفها، وأخرى منعشة، فيها عذوبة الموسيقى وصخب الأمواج، فيها لمعان البحر وحرارة الشمس، وفيها ذلك الإيقاع المشاغب الصاخب المفتعل الذي يحدثه تلامس الماء بالصخور، الإيقاع الأزلي الذي يربط خيوط الحياة ببعضها، ذلك النشيد الذي يكسر الفتور والتراخي ويوقد جذور الشوق، رسائل صوتها عذب تروي عطش الروح أحياناً، وتتحدث عن حرائق مدفونة في هواء شقي أحياناً آخر، حيث المواطن العربي والذي يعيش سنينه الباردة موزع الانتماء بين وطن عربي خلق منه لاجئا حزينا، ترك هذا الوطن خلفه ككتلة من الضوء في قلب الليل المعتم والدنيا هامدة إلا من نباح كلاب يأتي من بعيد، واستجار بالبحر ممتطياً قارباً مهترئاً، حاملاً معه لغته الضائعة، وجوعه، وثيابه القديمة، وشحوب وجهه، وحذاءه المتعب مثل جيبه، في صدره تحتشد مواجع وهموم تتدافع ساخنة كأمواج البحر العاتية حينما تصخب ثم ترتطم بالصخور، لتعود مرة أخرى أقوى ارتطاماً وعنفاً، ومكان غربي أأوة وألم يستطيع الانصهار فيه، كتفاحة مشطورة إلى نصفين والفضاء منديل أسود، وهذا هو الإنسان عندما يجد نفسه ملقى في الضياع بعيدا عن وطنه قسرا، ما عليه إلا أن يؤجل الألم، يصبح شهرزاد ألف ليلة وليلة، يروي أحلامه وأوهامه لأرصفة الشوارع، ومصاطب الحدائق العامة، ومحطات القطار، ورياح الشتات القاسية، ولمعدته، حينها سيرى المصاطب وقد أصبحت فراشا من ريش نعام، والريح الباردة تمر من حول جسده بدفء وحنان، وفضلات وبقايا المارة ستضحى كفيارا ولحم غزال، الألم يدفع المرء لأن يكون مهرجا، شخصيات الرواية بلا أسماء، شخصيات مطاردة من سلطات بلدانها وتقيم في بلاد الغرب، الرواية تقع في «129» صفحة، تستحق بجدارة جائزة البوكر التي حصلت عليها الأسابيع الماضية، و«هدى بركات» ليست غريبة عن هذا النوع من الجوائز، فسبق أن توجتها الحكومة الفرنسية، حيث تقيم «هدى»، رتبة فارسة في الأدب والفنون عام 2002، وفي 2008م حصلت على وسام الاستحقاق، إضافة إلى جائزة نجيب محفوظ عن روايتها «حارة المياه» في 2001، «في بريد الليل» رواية عبارة عن صهيل على شكل رسائل في فضاء مفتوح، تنطلق الرسائل في اتجاهات مختلفة حيث الضوء، ومواطن الشمس، ومواسم المطر، رواية كطقطقات النار في الخشب، والشرر المتطاير في فراغ الموقد، تبعث في النفس نشوة خاصة، تماما كما صوت تساقط قطرات المطر فوق صحراء جافة، يالها من رواية.. يالها من رسائل!!.

* كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com