جولة: طه طواشي تصوير: عبدالعزيز نورالدين
لماذا قاد شريف مكة محمد بركات حملته العسكرية على "درب النجا" ؟ وماهي الأحداث التي وقعت فيها ؟وما السر وراء الفظائع التي ارتكبت فيها ؟ وهل القحط الذي أصاب مكة بعدها كان نتيجة هذه الفظائع ؟وما حجم الدمار والاضرار التي لحقت بأهلها وسورها وقلاعها ؟ يتفق المؤرخون على ان مدينة درب النجا وسور جازان وقلعتها قد توالت عليها العديد من الضربات، وأتى على بنيانها تكرر الغارات وفي هذا يشير المؤرخ النمازي في الخلاصة : " واعلم أنه منذ أول اختطاط قلعة جازان المشهورة بالثريا فإنها لم تسلم من أمور الخراب ، وغارات الدمار على تكرر الأعوام والدهور إلى هذه العصور فقد توالت عليها العديد من الضربات ، وأتى على بنيانها تكرر الغارات ، وحصل لها أنواع من الخراب والدمار منذ أول اختطاطها وإن أول حملة تخريب وهدم تعرّض لها سورها وقلاعها كان في عام 882هـ/1477م على يد شريف مكة محمد بن بركات.

وهنا يشير أستاذ التاريخ د.محمد منصور ان جميع المصادر التاريخية تتفق على أن أول من جرؤ على انتهاك حرمات مدينة درب النجا وضرب أمرائها والعيث فساداً في المخلاف، وهدم قصورها وقلاعها هم أشراف مكة بني عمومة القطبيين أمراء المخلاف حينها وان اول حملة كانت في عام هـ882هـ/1477م على يد شريف مكة محمد بن بركات كانت أثناء حملته الأولى المشهورة على المخلاف السليماني وشنّهِ الحرب على أمير درب النجا والمخلاف الشريف أحمد بن دريب بن خالد بن قطب الدين. حيث غزا شريف مكة جازان في عساكر كثيرة واحتفال زائد حتى إنه اصطحب معه جميع أهله من الزوجات والسراري والذرّية. ولما بلغ جازان في ربيع الأول سنة 882هـ/1477م ترددت الرسل بينه وبين صاحب جازان أبي الغوائر فلم ينتظم بينهما صلح على الرغم من محاولات التدخل التي قام بها المشايخ لرأب الصدع ، وقد اشترط محمد بن بركات أن يدخل مدينة جازان من باب ويخرج من الآخر للموافقة على الصلح وهو ما رفضه الشريف أبو الغوائر أحمد بن دريب ، وخرج بعساكره وصف للقتال أمام جيوش شريف مكة
أسباب الحملة
على الرغم ان المصادر المتعددة ما بين مكّية ويمانية ومحلّية حفلت بإشارات عديدة لهذه الحرب وما حلّّ بجازان، وقلعتها وسورها وأهلها من خراب ودمار وانتهاكات على يد محمد بن بركات أمير مكة.
إلا إن المصادر نفسها تختلف في أسباب الحملة ونتائجها وهنا يقول د. محمد منصور ففي حين تفصّل المصادر المكّية المعاصرة بعض التفصيل حول أسباب الحملة ,فإنّ المصادر التاريخية اليمنية والمحلية توجز كثيراً ولا تقدم معلومات وافية .
فالمؤرخون المكيون يذهبون إلى أنّ أسباب حملة الشريف محمد على جازان تعود إلى الأسباب التالية :
قيام صاحب جازان الأمير( أبو الغوائر) أحمد بن دريب بإيواء أخ الشريف ومنافسه على إمارة مكة  "علي بن بركات", عندما وصل إلى جازان مفارقاً لأخيه-محمد- بسبب خصومة وقعت بين الإثنين حاول على إثرها " علي بن بركات" السفر إلى مصر لتقديم شكوى في أخيه أمير مكة " محمد بن بركات " للسلطان قايتباي (901هـ/1496م) سلطان مصر المملوكي حينها . لكنّ علياً خشي على نفسه انه هو حاول السفر عن طريق الموانىء الحجازية لخضوعها لأخيه فكان أن قَدم  على صاحب جازان فاستقبله وأكرمه وساعده على الركوب من بندر جازان إلى سواكن ومنها إلى مصر. فغضب لذلك شريف مكة محمد بن بركات وعزم على المسير إلى جازان لتأديب أبو الغوائر أميرها.
ومن الأسباب كذلك إقدام الشريف أبو الغوائر أحمد بن دريب على إيواء من ينفيه شريف مكه من عسكره ومنهم " ذوو عمر الذين كانوا حينها يقيمون عند أبو الغوائر ويحظون برعايته . وفي حين يفصح هؤلاء المؤرخون عن هذه الأسباب ويضعونها عاملاً رئيساً في غزو محمد بن بركات لجازان فإن مؤرخي اليمن لا يقدمون أسباباً واضحة لهذه الحملة ويكتفون بالإشارة إلى أن السبب ينحصر في حصول " وحشة شديدة لسبب مشهور.
في وقت يذهب المؤرخ العقيلي إلى أن مطامع أمير مكة في جازان ومد نفوذه عليها كانت السبب المباشر في حملته هذه يدفعه لذلك تخلي الطاهريين في اليمن عن مساعدة حليفهم أبو الغوائر صاحب جازان.
وفي هذا يقول العزّ بن فهد عن ذلك: "وصاحب جازان من تحت أمره ويحمل الخوارج إليه في كل سنة . أي ان صاحب جازان أبو الغوائر أحمد بن دريب بقي خاضعاً لشريف مكة محمد بن بركات يؤدي إليه مالاً معلوماً يظهر أنّ بعضه كان عينياً مما تنتجه بلاده من الأطعمة وغيرها .
فيما يستبعد الدكتور احمد الزيلعي ما ذهب إليه العقيلي إن الحملة كانت بسبب اطماع شريف مكة في جازان حيث يشير أن شريف مكة غادر المنطقة بعد فترة قصيرة من تحقيق النصر على صاحبها ابو الغوائر.
ويضيف د. محمد منصور لكن ما هو أكيد إن الظروف والأسباب تضافرت ليشن شريف مكة حملته على درب النجا ومنها أنّ المدينة كانت تشهد ازدهاراً عمرانياً ورفاهية في العيش وقوة مطردة كانت تأبى البقاء في محليتها ضمن منطقة المخلاف السليماني وتدفع إلى التوسع شمالاً وجنوباً، وتسعى إلى التحرر من التبعية حتى ولو كانت إسميّه في فترات عديدة . لكن ذلك كان يُجابه برفض من قوة في الشمال تمثلت في أشراف مكة وتوابعها. وسلاطين اليمن من الرسوليين والطاهريين في الجنوب. ومع حالات العداء التي كانت تظهر على السطح بين فينة وأخرى .
وما يؤكد ما ذهبنا إليه قول شاعرهم " الجراح ابن شاجر الذروي ":حين قابلت (درب جازان) لاحت وبدت لي قصورها الخالديــة
والمتأمل في شعر ابن شاجر الذروي سيتعرف من خلال وصفه للقصور بهاء بنيانها وحسن عمارتها .
القحط في مكة
شهدت مكة بعد حملة شريف مكة محمد بركات على درب النجا قحطا استمر لسنوات وأرجعت بعض المصادر التاريخية إن سبب القحط الذي أصاب مكة كان نتيجة للفظائع التي ارتكبها شريف مكة في حق جازان أرضا وإنسانا وهنا يعلق د. محمد منصور قائلا إن ما يتفق عليه المؤرخون وتشير إليه المصادر التاريخية بكثرة أن جيش محمد بن بركات قد ارتكب الفظائع في جازان،وأوقع ظلماً كبيراً على أهلها وهو ما أدرك خطره المؤرخ عمر بن فهد وسوء عاقبته فعلق بقوله "وكانت نازلة شنيعة عاد وبالها على أهل مكة ، فإنها أقحطت سنين عديدة ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم". ويضيف د .منصور يذكر ابن فهد أن جيش شريف مكة " أخربوا الحصن، وجميع ما فيه، وكان فيه جملة من المتاع والثياب والكتب النفيسة ، وأحرق باقي البلد وخرّب سورها ، وجميع ما فيها من الدور خلا المساجد. ..فيما يقول ابن الديبع في وصف ذلك " فاستباح صاحب مكة جازان وأهلها وأحرقها ، وأخرّب سورها وتركها خاوية على عروشها .. ونهبت خزائنها وفيها من الكتب النفسية شيء عظيم ، ومن السلاح والثياب ما جمعه أبوه وجده.. " بينما قال في بغية المستفيد " ونهبت جازان وأحرقت ، وهُدمت دور الخلافة وسور البلد". كما ورد هدم الحصن (القلعة) والسور عند العصامي الذي قال : " وفيه (882هـ) غزا الشريف محمد بن بركات جازان ونهبها وأحرق حصنها ، وأخرّب سورها ، وقتل عدة مستكثرة من رجالها، وغنم شيئاً كثيراً من أموالها ، وأسر طائفة عظيمة من اهلها. ويعتبر هذا الخراب عند مؤرخي المخلاف هو الخراب الأول الذي حلّ بالقلعة وسور المدينة.
وصف المعركة
حتى في وصف المعركة ثمة اختلاف ويوجد وصفان مختلفان بين مؤرخي مكة والمؤرخ بامخرمة . حيث يقول د.محمد منصور فعلى حين يذهب مؤرخو مكة إلى أنه ما إن بدأ الالتحام بين أوائل عسكر شريف مكة محمد بن بركات مع عساكر صاحب جازان حتى قام بعض العسكر برمي النار في بعض بيوت أهالي جازان وكان غالبها عشش. فعلقت بها النار وانتقلت سريعاً بفعل الرياح الشديدة وأحرقتها جميعاً0 الأمر الذي أدى لاضطراب صاحب جازان وعساكره وكانت الهزيمة وهروب ابو الغوائر من الباب الآخر للمدينة ومعه عساكره وإخلاء مدينة جازان فدخلها محمد بن بركات وعساكره وعاثوا فيها فساداً قتلاً ونهباً وإخراباً..
بينما نجد رواية مختلفة عند " بامخرمة" تتلخص في أنّ الحرب وقعت بين الفريقين ودارت رحى معركة عظيمة كاد فيها الشريف محمد بن بركات أن ينهزم لولا لجوئه إلى إغراء مجموعة من جيش صاحب جازان بنقود ذهبية مزيفة كان قد أعدّها لمثل هذا الموقف . لذلك ما إن رأى بوادر الإنحلال في جيشه حتى بث في معسكر صاحب جازان من أغراهم بتلك النقود التي كانت عبارة عن قطع من المحلقة طلاها بالذهب حتى لا يكاد من يراها يشك أنها ذهب أشرفية خصوصاً كما يقول "بامخرمة" العرب الذين لا يميزون بين وزن الذهب وخفة الفضة . واستطاع بذلك إفساد الكثير من جيش صاحب جازان فتخاذلوا عنه فحلت الهزيمة به وقتل من أصحابه نحو الخمسة عشر.