لا أخفيكم سراً، بأنني من فرط فرحتي بإقرار لائحة المحافظة على الذوق العام، التي انتظرناها طويلاً، انتفضت من مقعدي ورحت أقلد لا شعورياً حركة المهاجم (الأسد قوميز) حين ينجح بإحراز الهدف بالوقت الضائع، ليبادرني صديقي الخمسيني في العزبة وقـد ارتسمت الدهشة على وجهه قائلاً: (بسم الله عليك يابو ماجد، وش معك غزلت.. والا يتعبك شيء؟!).

طبعاً خجلت أوضح له السبب لأنني سأبدو بنظره متناقضاً وأول واحد يفترض أن تطبق عليه لائحة الذوق العام!؟

قد نكون أمام تركة ضخمة من الإسفاف والتعصب والاستهبال، ومع هذا يجب حصرها بجدول تصنيف المخالفات والغرامات، ولو بلغ ألف صفحة، المهم أن لا نذيل القائمة بالعبارة الفضفاضة «وكل ما يراه رجل الضبط مخالفاً للذوق العام»؟!

إن أكثر ما يشغلني بحكاية الذوق العام، هو كيفية ضبط هذا الكم الهائل من المخالفات، وإذا ما كان عن طريق دورية خاصة، ماهي معايير اختيار الموظفين الميدانيين، لأن أعمارهم ومفاهيمهم الاجتماعية وميولهم الرياضية، ربما يكون لها بالغ الأثر في ضبط المخالفة أو التساهل معها، وليس هناك أخطر من وجود نظام على الرف لا يطبق لأنه سيتحول مع الوقت لمظلة واقية للمخالفين، كما أنه لا يوجد بالمقابل أفظع من وجود لائحة صارمة لا تراعي ظروف الحال للمتهم، لهذا دعوني آخذكم معي في جولة فرضية (بدورية الذوق) لنرصد عدداً من مخالفات الذوق العام ونرى كيف يمكننا التعامل معها بكل جدية؟!

على جنب يا صاحب (البجامة): وين تحسب عمرك بغرفة النوم؟، لا بس البال مشغول بالديون، لا حول، طيب روح ولا تعودها.

أنت إيوه أنت يا عم: وش فيك ماشي بالشارع وتكلم نفسك، يا ولدي عندي حكم ضد الصندوق العقاري وعيوا ينفذونه، اهاه، ربنا ينصركم.

الحق السيارة هذي الحقها: سلامات يا خوك ليه معلي صوت المسجل؟ ياخي الناس كلها اليوم مستانسه الإتي رجع الصدارة، لا ياشيخ أجل تطقطق هاه: وهذي غرامة مخالفة الذوق 5000 ريال.

أحياناً، توجد خلف كل مخالفة للذوق العام قصة، لهذا يصبح من (الذوق العام) أن يتلمس رجل الضبط هموم المتهم ويمررها له في الوهلة الأولى بكل رقي وحضارة، مكتفياً بلفت نظره وإعلامه بنسخة اللائحة، إننا أمام امتحان صعب لتلافي الجلافة والأخطاء البدائية التي طالما وقع فيها (جمس الهيئة)، لهذا يتعين اختيار مركبة جميلة لدورية الذوق تفتح النفس كالفيراري ليألف الناس وجودهم فيتقبلوا مواعظهم ولا يهابون سحنتهم، هنا واحنا سارين: عاد صديقي الخمسيني يسألني عن سر الحركة الغريبة، فقلت له: لقد شعرت بضيقة صدر فحاولت الوصول للماء، طبعاً التصريفة ما أقنعته لكنه مررها وقال ضاحكاً: الله يرد لك عقلك!؟