-A +A
عبده خال
الاختلافات السياسية يتم ترحيلها وفق المصالح الوطنية، وإذا كان جوهر الاختلاف دينياً فسيظل قائماً مهما تغير الزمن، ولن يحل بتلقي المختلفين الهزائم السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية.. ومن هذه الحقيقة لا يتوقع أحد أن تيار الإخوان المسلمين تم القضاء عليه من خلال الهزائم المتتالية في دول عربية عديدة..

إذ تظل الجماعة متواجدة تحت الأرض، وتظهر مع أي أمل يمكنها من مواصلة عملها لنيل مواقع متقدمة في أي سلطة كانت.. ومن يعرف بنود الجماعة أثناء تأسيسها على يد حسن البنا سوف يلحظ أنها تتأرجح بين الظهور والاختفاء وفق ظرفية الزمن الراهن، وتاريخياً اختفوا عن الأنظار في حادثة المنشية التي أودت إلى محاكمة وإعدام عدد من أعضاء الجماعة، وكمنوا كالعناكب في مفاصل الدولة غير يائسين من تحقيق أهدافهم السلطوية في زمن قادم، ومع ركوبهم على صهوة ثورات الربيع العربي وسقوطهم السريع في مصر بقيت الأحلام في تعويض ذلك السقوط في معارك أخرى خاصة أن كمونهم مكنهم من نشر أفكارهم في العديد من الدول العربية.. ومعرفتهم أن المعركة لم تحسم بوجود دول أخرى لايزال فيها الإخوان يمسكون بدفة السلطة، فكانت حركة الظهور والاختباء تعتمد على مواقع القيادات والأعضاء، فإذا اختفوا في مصر للظرف السياسي فإنهم يظهرون في بقية المواقع التي يمكن فيها معاودة الكرة لاكتساب انتصارات مؤملة.


وقبل فترة وجيزة أعلن أحد القياديين بأن ثورات الربيع العربي لم تنتهِ بعد، وبشر بتجددها معطياً أملاً للجماعة بأن القادم سوف يكون عاصفاً لاسترجاع ما تم فقده من سلطة..

وكانت مواقع ودول لم تهزم فيها الجماعة كالسودان والأردن واليمن وليبيا وتركيا؛ لذلك كان التبشير بعودة ثورات الربيع العربي حاضراً، وأثناء الإعداد لظهور تلك البشارة أحدث الشعب السوداني ضربة استباقية لعودة السلطة للشعب، واستئصال رأس الإخوان سواء كان البشير أو من يدور في فلك الإخوان من عسكريين، ويعتبر انتقال السلطة إلى المدنيين فرصة لتقديم السودان كدولة مهمة مكملة لتعاضد الوقفة العربية ضد انهيار الدول وليس انهيار الأنظمة..

وإذا كان هناك وجود لتبشير القيادي الإخواني بعودة ثورات الربيع العربي، فإن الواقع الحادث الآن خسارتهم للسودان، وتحريكهم لقواتهم في ليبيا مع الخشية من سقوطهم تحت قذائف حفتر.. وهاتان الدولتان خرجتا -واقعياً- من آمال الجماعة، وبقيت لديهم القوى الضاربة المتحركة وهي رأس النظام التركي الإخواني، وإذا كان من أمل مؤجل فيتمثل بوجودهم في اليمن وظهورهم منها لن يكون بالسهولة المتوقعة.. أما بقية تواجدهم في الدول العربية فإن الظرف السياسي لن يمنحهم فرصة شم الهواء على السطح.

وكما بدأت فإن الاختلاف السياسي يمكن حله ما لم يكن اختلافاً ينهض على اختلاف لمفاهيم دينية.