ولمن يريد التعرف على «الواشنطن بوست» أين كانت وكيف أصبحت!!عليه أن يشاهد فيلما اسمه «ذي بوست» The Post، والمعني به صحيفة «الواشنطن بوست» أخرجه المبدع الشهير «ستيفن سبليبرج» صانع الأفلام المميزة والواسعة الانتشار التي تعد من البصمات الحقيقية والتي لا تمحى في ذاكرة السينما العالمية، والفيلم يتناول أحداث يونيو 1971م، من مواجهه بين الصحافة والبيت الأبيض وتحديدا بين «الواشنطن بوست» والرئيس نكسون، بخصوص نشر وثائق سرية خاصة بالبنتاغون يزيد عدد صفحاتها على 7 آلاف صفحة، تتحدث عن تورط إدارات أمريكية متعاقبة في حرب فيتنام، تلك الحرب التي تركت جراحها في نفوس الأمريكيين لأجيال متعاقبة، وهذه الأوراق كشفت وبسفور أكاذيب الساسة والقادة العسكريين وألاعيبهم في عدم رغبتهم إظهار الحقائق وحرصهم على إقناع الرأي العام بضرورة الاستمرار في الحرب، كانت «النيويورك تايمز» هي المبادرة في النشر، إلا أن الإدارة السياسية تدخلت وأوقفت نشرها، وفق حكم قضائي دافعه سياسي، وغامرت «الواشنطن بوست» من جهتها وتجاهلت قرار المحكمة وبدأت في نشر وثائق البنتاغون، ولتعود قضية النشر للمحكمة والتي جاء قرارها حاسماً في حماية حق المواطن الدستوري في المعرفة والسماح «للواشنطن بوست» وغيرها من الصحف في أمريكا في نشر وثائق البنتاغون بما فيها من أسرار وحقائق تم التستر عليها بحجج مختلفة على رأسها بالطبع الأمن القومي، وذلك لتفادي المواجهة والمحاسبة وإعادة النظر في خوض حرب طال مداها، وكثرت ضحاياها وتضاعف رمادها، نتعرف في الفيلم على شخصيه «كاترين جراهام» صاحبة الصحيفة والتي ورثتها عن أبيها، قامت بتمثيل شخصيتها الممثلة «ميريل ستريب» نشاهد الاحترافية العالية والحرص على سمعة الصحيفة والمؤسسة، من خلال مناقشة «كاترين جراهام» مع رئيس التحرير آنذاك «بن برادلي» الذي قام بدوره «توم هانكس» وكذلك مع إدارة المؤسسة، وسهرها القلق أياما متعاقبة، وخوضها حربا شرسة مع أشرس مؤسسة سياسية، وذلك للحفاظ على قيمة الصحيفة ومكانتها في المجتمع الأمريكي، ولقد توفيت «كاترين جراهام» في عام2001م، عن عمر84 عاماً، بعد أن جعلت هي وأسرتها من «الواشنطن بوست» صحيفه تصدر في العاصمة الأمريكية، ويقرؤها الأمريكان في جميع أنحاء الولايات المتحدة، صحيفة ذات نفوذ وتأثير في مدينه القرار، هكذا كانت «الواشنطن بوست» قلعة ومعبدا صحفيا ومشروعا عبقريا رصينا ناجحا، كان الدخول إلى مقام «الواشنطن بوست» كالدخول إلى تاج محل، له طقوسه وسننه وأصوله واعتباراته، وكان حلم العظماء من الكتاب والمحررين والأدباء والمفكرين أن يسطر قلمهم حرفاً على بساط تلك الصحيفة العريقة الساحرة، كان الكتاب والمحررون والعاملون بها، عائلة عريقة محترمة نزيهة، تمتد جذورها إلى مستويات متعددة المواهب والثقافة. ومر التاريخ مسرعا ماكرا وساخرا، لتتحول «الواشنطن بوست» إلى صحيفة أصبح يكتب فيها أفضل الممثلين الكوميديين، صحيفة أصبح جل همها سماع ومتابعة الإعلام العربي ومتابعة الأحداث الخليجية، حتى حالة الطقس، صباح مساء وليل نهار، وفتاوى إرضاع الكبير، وتحريم الإنترنت، وسياقة النساء، تخصص مقالات مطولة لجهاد النكاح، ويعلو الضجيج ضد الحجاب، أصبحت «الواشنطن بوست» تعيش هدرا يوميا في البحث عن سيف بن لادن، وقنبلة أبو السياف وبلطة أبو قتابه، وكم عربي أنجب في السبعين، من أجل ذلك خسرت «الواشنطن بوست» مصداقيتها، لم تعد وجبة الأمريكي المفضلة، حيث انتهت إلى أن تصبح عشاء سفارات، ديكا تركيا، وقواقع قطرية، وكافيارا إيرانيا، ونبيذا روسيا، لم تعد لديها حدود واضحة بين المجد والعار، والمذكر والمؤنث، والمرفوع والمنصوب، صحيفه أصبحت بشراسة ونهم الفهد الجائع في سد عجز ميزانيتها المالية، فقدت عقليتها وصوابها وتوازنها، أصبحت مجيشة كصفير القطارات المعبأة بالغناء والجنود، وهي في طريقها إلى الجبهة، والجبهة دولة عريقة أصبحت الحلم المسجى على كل وسادة في هذا الشرق، بقيادة إدارة شابة طموحة فتية نشطة مؤمنة، حتى القدر فيها أصبح ينظر إلى ساعته وهو يتأمل أفق هذا البلد وتسارع الإصلاح فيه، لاشك أن الصحافة قد تكون أكثر خطورة من قنبلة في يد طفل، متى ما فقدت مصداقيتها وحيادها ومهنيتها، لأنه يحرق ما تحته، محزن أن تتحول صحيفة بعراقة «الواشنطن بوست» والتي كانت يوما مشروعا حضاريا يهز العالم إلى مشروع فيلم بوليسي بالأبيض والأسود، بالمؤثرات البصرية والسمعية العتيقة، سيارة مسرعة، وأخرى تنطلق، وظل على جدار، وستارة تزاح وحفيف أغصان وغزلان بنظارات بوليسية تسبح في الضباب مع مقطع من صوت جمس دين، يقول ما مضى مضى ولن يعود، ولو كانت «كاترين جراهام» على قيد الحياة وشاهدت ما حل بـ«الواشنطن بوست» لانتحرت عوضا عن زوجها «فيل جراهام» الذي تولى زمام أمور الصحيفة بعد والده، فلا أحد يرضى بقلم مكسور، ومفردات خرقاء، وإشارات تعجب، واستفهام وفواصل لا يبالي بها الأمريكي، في هذه الأمريكا السريعة الطلقات، فالأمريكي لا يهمه إلا رغيفه ووطنه، يتعانقان تحت غطاء واحد، ويتنفسان بهدوء وطمأنينة على إيقاع واحد، وأصبح ما تكتبه «الواشنطن بوست» سقط متاع للأمريكي لا أكثر!!

* كاتب سعودي