بعض الحكام لا يجيدون فن استثمار الوقت وتحديد النهايات، لا يحسنون معرفة استشعار توقيت اللحظة الأخيرة ولا الموعد المناسب للمغادرة، يتيهون في نشوة الحكم وسطوته وبهرجه الى درجة الاعتقاد أن الزمن كله لهم ومن أجلهم، وأن بقاءهم المستمر هو القدر المحتم لأن الله خلقهم من أجل هذه المهمة وعليهم البقاء فيها حتى نهايتهم.

مثل هذا النموذج يصاب بالصمم عن كل ما يقال، والعمى عن كل ما يجري أمامه، لأنه يترفع عما يحدث داخل المجتمع وعما ينبض به الشارع. الدائرة المحيطة به والمستفيدة منه، التي تحظى بالنفوذ والمصالح بسبب وجوده تنقل له واقعاً مغايراً، مهمتها فقط المحافظة على بقائه وكتم الأصوات التي تشتكي من الظلم والجور وسوء الأحوال، من يتذمر فهو عميل، ومن يشتكي فهو خائن، ومن يعترض فهو متآمر، ومن يتمادى فمصيره الموت أو الزنزانة الأبدية.

ديموقراطيات زائفة ومخادعة، ترفع شعارات الحكم للشعب والتداول السلمي للسلطة والعدالة الاجتماعية والمساواة والمشاركة السياسية وتولي المسؤوليات وفق الكفاءة، بينما الحقيقة هي حزب واحد، حزب الحاكم، وحاكم واحد يبقى عقوداً من الزمن، يتغير من أجله كل شيء إذا استشعر خوف الخروج أو حدثت هزة حواليه. كل المؤسسات التشريعية والقضائية والتنفيذية مسخرة لإخراج مسرحيات الاستمرار المتجددة كي يبقى الحاكم بأمر النار والحديد والأجهزة الأمنية الباطشة، الأوطان تتهاوى واقتصاداتها تضمحل ومقدراتها تتبخر وشعوبها تعاني بينما الحاكم وجوقته يطل من شرفة قصره مؤكداً للجميع أن هذا من أجل الكرامة والسيادة والحرية، وأن الزمن الأجمل، زمن الرخاء قادم لا محالة أيها الشعب إذا صبرت وتحملت أكثر.

ينسى مثل هذا الحاكم أن هناك لحظة تأريخية قدرية لا بد أن تأتي، ينسى أن الله مع الضعفاء المسحوقين قليلي الحيلة الذين استبد بهم هو وطغمته. لحظة تقتلعه وكأنه لم يكن. البشير لن يكون الأخير فالتأريخ مليء بالأمثلة، أمثلة الذين لا يتعظون.