في حياة كل منا كنز ثمين لا نعرف قيمته إلا بعد أن نفقده، وما دام هذا الكنز معك وفي حوزتك فأنت لا تعرف أهميته وقيمته إلا بعد فوت الأوان، هذا الكنز هو حصن الأمان في حياتك وحياة كل إنسان، فلا أمان إلا مع هذا الكنز الذي لا يعوض، هذا الكنز الرائع هو هدية الله لكل إنسان، لا فرق بين غني أو فقير، رجل أو امرأة، هذا الكنز ببساطة اسمه «الأم»، نعم الأم هو ذلك الكنز العظيم الذي تحدثت عنه كل الأديان السماوية وبكل التقديس والاحترام، الأم هي كل شيء في هذه الحياة، هي التعزية في وقت الحزن.. والرجاء عند اليأس.. والقوة في الضعف، «فاتن مرعشلي» الأم اللبنانية كانت كل ذلك لابنها الوحيد «محمود»، والذي اكتشفت إصابته بمرض التوحد وهو في الثانية من العمر، وعلى مدار الـ16 عاماً كانت الأم تجد لذة حقيقية في الاعتناء به، كأنه كرستالتها الثمينة التي تخاف عليها من التهشم، ظهرت تلك الجميلة ذات الأنف الخنسائي، والتي ابتسامتها تجعل الكون جميلاً بطريقة استثنائية عبر الفيديو، والذي حقق ملايين المشاهدات على موقع التواصل الاجتماعي وهي تغني لابنها، «شو حلو حبيبي.. شو حلو»، وكأنها تداعب مرض ابنها، مثابرة ضاحكة مستبشرة بأيام أحلى، في سبيل إجبار المجتمع على تقبل حالته والتعامل معها كأمر طبيعي للغاية، تقول «فاتن» إنها لم تخجل من مرض ابنها قط، وإذا عاد الزمان مرة أخرى ستختاره ابنا لها، مؤكدة أنه أصبح سر شغفها وإقبالها على الحياة، تقول للمذيعة التي التقت بها بعد انتشار الفيديو..أنا أقبل جبينه في اليوم ما يقارب 5 مرات، وتشاغبها المذيعة قائلة.. هو ليس صلاة؟ ولتجيبها بالقطع أنها كصلاة تماماً.. سيكون واحداً من أسباب دخولي الجنة، وعلمت حينها لماذا قال جان جاك رسو «لو كان العالم في كفة وأمي في كفة لاخترت أمي»، تقول «فاتن» إن ابنها «محمود» يمارس عدة هوايات منها كرة القدم، والكشافة، والكيك بوكس، والسباحة، وحالته النفسية تتحسن يوما بعد يوم، امرأة مؤمنة تتحدث بعين طالما راوغت اليأس، تقول كيف تحب أن يراك الله في قدرة، معبأ قلبك بالرضاء أم ساخطاً! كيف تريدين أن يراك الله؟ امرأة تسير بجانب الطير فيسبحان معا، وتسير بجانب الشجر فيحمدان الله، وتسير مع نور الشمس لتشكر الله على عطاياه المستمرة، تدعك عينيها كثيرا عندما تتكلم، تقول أنشأت صفحة خاصة «بمحمود» على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك» وكان هدفي منذ البداية إجبار المجتمع على تقبل صورة ابني كما هو، كي يتخلص من نظرات الشفقة التي يراها في عيون المجتمع، قبل أن أنشئ هذه الصفحة كان المجتمع يعتقد أن «محمود» مصاب بتخلف عقلي ولم يؤمنوا أن لديه قدرات مثل باقي البشر ويفهم ويستوعب مثلهم تماما، وتحولت الصفحة من قضية شخصية إلى قضية عامة، واستحوذت على اهتمام العديد من الأسر الذين يعانون من مشكلة إصابة أبنائهم بالتوحد، وأصبحت الصفحة منصة توعية لهذه الأسر، تتحدث كخبيرة في الإصابة بالتوحد، هذه المرأة التي من يستمع إليها يعرف أنها قرأت كل شيء عن التوحد وكأنها ولدت «محمود» في بهو مكتبة طبية عامرة، تقول عندما يقوم بأي حركة غير اعتيادية في مكان عام، كل ما أفعله هو أن أحضنه بحرارة وأتبسم في عينيه حتى أزيل عنه الرهبة والخوف من الآخرين، أعامله كما لو أنه آخر رجل على كوكب الأرض، تقول لها المذيعة، أنت امرأة صبورة، تجيبها وعلى ثغرها بسمة وديعة تلون العالم كله بالسعادة، لا علاقة لهذا الأمر بالصبر بل بالحب، نعم يا سيدتي إنه الحب، هذه الكلمة المكونة من 4 حروف، والتي تزلزل الكيان بأكمله، تفتت القلب، وتدخل الجنة، وتطعم المحبوب لوزا وزبيباً وفطائر تفاح، المثل اللاتيني القديم كان في غاية الصدق عندما قال «من فقد أمه فقد أبويه»، إذا كنت تقرأ كلامي هذا، ووالدتك حية ترزق، اذهب إليها حتى لو كانت في الصين، وقبلها، قبلها بضراوة واحتضنها، أخبرها أنك تحبها، أخبرها أنك منها وإليها وبها، خذ منها ما شئت من الأحضان، وابك بين يديها، استمد منها القوة التي ستبحث عنها فيما بعد ولن تجدها وقتما تكتشف غيابها، في أشد أوقات احتياجك لها، احضنوا أمهاتكم قبل أن يحتاج أبناؤكم أحضانكم!

* كاتب سعودي