بمناسبة تدشين وزارة الثقافة لرؤيتها وبرامجها القادمة وجدت أن من حقكم أن تسمعوا حكايتي: فخلال الثلاثين سنة الماضية كنت أعاني من حالة جفاف وشحوب نفسي تبدو مظاهره وبواطنه على جسمي وملامحي.

ذهبت إلى المستشفى وعندما عاين الطبيب حالتي قال: علاجك يكمن في المرطبات والملينات التي ستخفف من هذا التصحر والجفاف المعنوي.

حسبته سيكتب لي نوعاً من الكريمات، لكنه أعطاني الروشتة وقد كتب فيها سافر ففي الأسفار يكمن علاجك.

رفعت حاجبي دهشةً لكنه خفضهما وأعادهما إلى مكانهما الأصلي وهو يقول دعني أراك بعد عودتك من السفر.

طبقت وصفة الطبيب وسافرت لخارج المملكة وبقيت قرابة الأسبوعين منطلقاً ومتحللاً من الروتين الاجتماعي التقليدي الذي كان يطوقني في الرياض، بعد عودتي زرت الطبيب فلاحظ نفسيتي الرطبة ومزاجي السعيد، انبسط ثم قال لي هل تذكر سعد الفرج في مسرحية حامي الديار أجبته طبعاً، رد مازحاً إذاً كلما تعكر مزاجك اطلع من بيتك تذكرتك تحت إبطك حاجز أوتيلك فلوسك في جيبك اركب طيارتك تقضي إجازتك تضبط مزاجك راجع لديرتك تباشر دوامك.

بعد ذلك قلت للطبيب أيضاً يا دكتور تراني أعاني نفسياً بين فترة وأخرى من متلازمة الأوبريت، ارتفعت حواجب الدكتور دهشة واستغراباً، لكنني تمكنت من خفضهما وإعادتهما إلى مكانهما الطبيعي، ثم شرحت له أن مصادر التعبير المسرحي والاستعراضي عندنا كانت فقيرة ومحدودة جداً، لذلك ظلت محصورة في أوبريت الجنادرية الذي يقدم سنوياً على مدى أكثر من عقدين، لكن الأوبريت أصبح من بعدها فقرة ثابتة في الافتتاحات الكبرى للمشاريع ثم تمدد أفقياً ليصبح تقليداً شعبياً حتى صرت أتوقع أن أشاهد أوبريتاً لكل من عزم على افتتاح دكان أو مقهى أو حتى فوال، وهكذا أصبح الأوبريت عندنا من السنن والنوافل التي تأتي مصاحبةً لاحتفالات المدارس والمصانع والوزارات والسباقات والمباريات والعروس والاستراحات، ولا بد أن هذا الانهمار والانتشار له كان بسبب أن الأوبريت كان هو المباح المتاح وهو ما سبب لي يا دكتور تلبكاً موسيقياً أصابني بمرض سميته متلازمة الأوبريت.

ارتج عليّ الطبيب ولم يحر كلاماً، سكت قليلاً ثم قال: تدري خلاص كلما صادفك أوبريت في الشاشة أو في الشارع أو في أي مكان فالتزم اللطمة واغمض عينيك واغلق أذنيك ثم غادر المكان حتى يغادرك الأوبريت.. ما علينا حبيت اطلعكم على حالتي في ما مضى، لكن رؤية ٢٠٣٠ ومن ورائها عرابها المبادر الشجاع الأمير محمد بن سلمان قد استطاعت في وقت قصير أن تزيح قضبان التشدد لتفتح الباب على مصراعيه للأطياف المتعددة والتنوع الموسيقي والمسرحي والأوبرالي والثقافي التراثي والمعاصر.

أنا شخصياً ضد الانغلاق والتجهم السابق الذي تمادى حتى نشفنا.

لكننا لا نريد الانفتاح غير المرشد وغير المنضبط، بمعنى أن نمضي في طريق التسامح لكن دون أن نقع من جديد تحت وصاية الطيف الأوحد كما كنا خلال العقود الماضية.

لا نريد أن يبدو أننا ننتقم من الفترة السابقة حتى لا نصبح كالغراب الذي فشل في تقليد مشية الحمامة حتى نسي مشيته.

دعونا نسدد ونقارب فلا نفرط ولنجعل طريقنا الأخضر كما هو في رؤية ٢٠٣٠ ترسمه حروف ثلاثة: الواو والسين والطاء.

* كاتب سعودي

IdreesAldrees@