بإمكانك أن تحدد لون ثيابك، وموعد ذهابك، وأن تعود عندما تريد أن تعود، تستيقظ متى شبعت من النوم، أو منعك الأرق من النوم، بإمكانك أن تغلي قهوتك كما تريد، بسكر، أو وسط، أو سادة، هيل زيادة، أو قليل من الهيل، أن تحلق ذقنك بأي نوع من الصابون، نيفيا، كولجيت، أو أولد سبايس، اختر ما تشاء احلق أو لا تحلق، بإمكانك أن تلقي أو لا تلقي تحية الصباح على جارك الخضيري أو القبيلي أو طرش البحر كما يحلو لك توزيع الألقاب سراً بينك وبين نفسك المظلمة فهذا شأنك، أن تستمتع لمحمد عبده أو لطلال مداح تصقل بصوت أي منهما نهارك، أو أن تتفقد أسعار البورصة من باب العلم بالشيء ولا الجهل بأشياء صارت ضرورية، بإمكانك إن وصلت الى مكان عملك أن تعمل أو لا تعمل، المهم أن تصل وتختم كرت الدوام ويراك المسؤول وتوبخ الفراش وتفتح جهاز الكمبيوتر على المواقع المباحة المتاحة أو غير المباحة المتاحة أيضاً، المهم أن تكون على رأس عملك أو كتفه أو بطنه، بإمكانك أن تلغي من تشاء من مجموعتك، أو تضيف من تشاء إليها، ولكن ليس بإمكانك أن تجعل الشمس تشرق حسب وقتك الخاص، أو تمنع العصافير من الاستحمام بندى الصباح، أو تقصر اليوم إلى عشرين ساعة أو تقول للبحر هذه ليست نوارسك، أو تحرم وردة من نشر عطرها في الريح، ليس بإمكانك أن تعبر النهر حافياً من دون أن تبتل قدماك، أو أن تجبر الطريق على الانتهاء عندما تصل أنت، أو تتجاوز إشارة مرور معطلة، أو تكذب بصدق، أو تسبق ظلك مهما أسرعت، ليس بإمكانك أن تخرج عن المألوف الذي لكثرة ما لفته أصبحت أنت وإياه واحداً، ليس بإمكانك أن تعاتب الأنهار لِمَ اختارت مجراها ومصبها، فالأيام تجري والعمر يمضي والمكان يبقى، وهذا المكان هو هذا الخالد «الوطن» وهو الذي يؤوينا ويحمينا ويشهد على نضجنا وعلى تفاهات «تغريداتنا» ويتحمل سفاهاتنا وعبثنا وهفواتنا وعنصريتنا المقيتة، هو سكننا.. سكينتنا.. هو الراحة.. الأمان.. الطمأنينة.. انه الاسم والعنوان وأحياناً هو نحن من الخارج ومن الداخل، نبنيه ونشتريه بتحويشة العمر، لو كانت تحويشة العمر تشتري وطن! نجمله بالعسجد والعقيق والألماس، وبلوحات جميلة أحببناها في مكان ما ذات زمان حيث لا خضيري ولا قبيلي ولا طرش بحر، في المدخل نزرع الحياة زهوراً وأشجاراً ورياحين، وبعد المدخل كلنا في الداخل إخوة مواطنين نجتمع حول طاولة المحبة.. محبة الأرض، وعلى الباب الخارجي نضيء فوانيس الماضي بقناديل زينت بسيف موحد عظيم، وعلى لوحة ذهبية وبخط كوفي نكتب «كلنا سلمان.. كلنا محمد»، ليس ثمة شعب في أي دولة في العالم مصنوع من عجينة واحدة، ليس ثمة شعب أصلي وغير أصلي، إنها أرض الله الطيبة يجتمع البشر فيها ليتعاونوا ويتعاضدوا ليصنعوا دولاً، ليتزاوجوا، ويتقاربوا، ويصبحوا أهلاً ذوي انتماء واحد وهوية وطنية واحدة، ولو فككنا على سبيل المثال الولايات المتحدة الأمريكية إلى أصول ومذاهب وقبائل وديانات، لما بقيت نيويورك، وواشنطن، لما بقيت ولايات متحدة، نحن شعب رفض على مدى التاريخ أن يكون مسمى لأرضه غير المملكة العربية السعودية، وآل سعود حكام لها، فالبحر لا يبرح مياهه، وفي كل العالم الناس متساوون أمام الشمس والبحر والحنان والحنين والهواء، لا يستثني أحداً.. لذا فلتتوقفوا أيها المغردون.. يا من جعلتم من مناسبة انتخابات «غرفه جدة» اغتيال عرس!

* كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com