جميلة هي الأخبار التي تتداولها وسائل الإعلام السعودية عن توجه هيئة الغذاء والدواء لمنع استيراد وبيع المواد الغذائية التي تدخل الزيوت المهدرجة ضمن مكوناتها بعد ثبوت ضررها البالغ على شرايين وأوردة وقلوب المواطنين، لكن الغريب في الأمر أن الهيئة اتبعت قاعدة شعبية معروفة في هذه المسألة هي «منعنا بس ما منعنا» من خلال منحها فرصة للمستوردين والتجار لتصريف هذه السموم في بطون المواطنين، إذ لن يكون إطلاق قرار المنع كاملاً قبل شهر ديسمبر القادم أي بعد نحو 9 أشهر بحسب الخبر الذي نشرته «عكاظ» أمس الثلاثاء تحت عنوان «منع جزئي لاستخدام الزيوت المهدرجة في المنتجات الغذائية».

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بكل بساطة هو:

إن كانت هيئة الغذاء والدواء تؤمن تماماً بخطورة هذه المنتجات على صحة الناس، وترى ضرورة منعها، فلماذا تريد أن تضخها في أوردتهم بشكل مكثف خلال الأشهر القادمة؟

ويتبع ذلك سؤال خفيف لطيف هو: هل تعتقد الهيئة الموقرة أن مصلحة التاجر والمستورد أهم من صحة المواطن وأموال الدولة التي ستُصرف على علاجه إن انغلقت شرايينه المنهكة وتوقف قلبه عن العمل؟

وأخيراً هناك سؤال ثالث أكثر بساطة من السؤالين السابقين يمكن أن يطرحه أي مواطن صالح متكئ في بيته يقضم دون إدراك «قرص تميس مشبع بالدهون المهدرجة» تعليقاً على حكاية المنع الجزئي المثيرة هو:

إن كان قلب الهيئة رحيماً إلى هذه الدرجة بالسادة المستوردين والتجار على حساب صحة المواطنين فلماذا لا تشتري منهم تلك المنتجات وتتلفها بدلاً من ضخها في أجساد السعوديين حتى نهاية عام 2019م؟

من الواضح أن القضية معقدة لدى الهيئة ويبدو أنها تحاول الخروج منها بإرضاء جميع الأطراف (المستورد، والبائع، والمستهلك)، مع أن مهمتها الأساسية هي حماية صحة المستهلك وليست «هيئة علاقات عامة وطبطبة على أكتاف التجار».

أحد الأصدقاء الخبثاء ممن أفنوا أعمارهم في التجارة عارض أسئلتي السابقة بشدة، مؤكداً أن الهيئة لم تخرج عن دورها الأساسي الذي يتلخص في «حماية صحة الناس»، مشيراً إلى أن اهتمامها بعدم خسارة المستوردين والتجار من صميم «حماية صحة الإنسان» وأقسم ثلاثاً على ذلك، وعندما طلبت منه أن يوضح وجهة نظره قال:

تخيل يا أخي هاني لو أن الهيئة أصدرت قراراً بالمنع الفوري لهذه المنتجات وسحبها من الأسواق فكم مستورداً وتاجراً سيتعرض لجلطة أو سكتة قلبية جراء ذلك، أليس هذا فعلاً منافياً لحماية صحة الناس؟!

* كاتب سعودي

Hani_DH@

gm@mem-sa.com