أحط في مطار لندن، بمتاع قليل وأغراض خفيفة، تركت الشرق وأنا في طريقي للغرب، الغرب جميل ولكن الشرق ساحر، أحياناً وصول الإنسان من رحلة طويلة، يصحبها فرحة تكفي عشرة أعمار، لا عمراً واحداً، كيف سأطوي سلسلة هذا الوقت الطويل في قاعة الانتظار في «هيثرو»، الوقت طويل والليل أقفاص، أصل قاعة الترانزيت، أتصفح «الفيس بوك» أقرأ أخباراً لا جديد فيها، ومناشير مربكة، ومشاركات الأصدقاء، التي اختلطت بين دعاء وسب وضجر وأمل وخوف، وأقول عنكم أيها المجانين ما بكم؟ أغمض عيني وأبتسم، أردد، إن مع العسر يسرا، ولا حياة لمن لا أمل له، أقاوم الضجيج حولي بقنديل الحياة، القراءة، القراءة انقطاع عن العالم، كيما يمكن أن نعيش في عالم موازٍ، هكذا أؤمن بها، نستمد أعمارنا، خيالاتنا، ونفتح الذاكرة عبر القراءة، صمت عالق في العنق وعلى ظهري تطقطق أنامل الوقت، التلفاز المعلق أمامي يعلن أخيراً عن موعد رحلتي لشيكاغو، أستقل الممر المستقيم الضيق داخل الطائرة، يتبعثر المسافرون في مقصورة الدرجة الأولي، تمددت على مقعدي الذي يتحول إلى سرير، كان الشباك يصلني بمقطع كبير من السماء، وكانت السماء زرقاء يشوبها سواد داكن، وغيم خفيف، كنت وحدي، ليس تماماً وحدي، معي كتاب، ومكتبة كاملة تختزنها ذاكرة الخطوط التي أستقلها، باقة فاخرة من الأفلام العالمية، تمططت بخفة وحركت ساقي تحت الشرشف البارد بكسل، أغوص بجسدي في المقعد باستمتاع بالغ، أنكمش على نفسي وأنا أستعد لمشاهدة فيلم جديد، هناك سر دفين يربطني بالسينما، السينما تستطيع ترويضي واحتوائي، تجعل مزاجي قمة في الاعتدال والهدوء، أصبح كالطفل في حضور فيلم، السينما هي إبداع الفن كي لا نموت بسبب الواقع، عقدت يدي تحت رأسي، اخترت فيلماً «مصرياً»، منذ فترة بعيدة لم أشاهد فيلماً مصرياً، الفيلم فاز كأفضل فيلم في مهرجان «الجونة» عنوانه «فوتو كوبي» الفيلم عن امرأة حاق بها اليأس وغاصت في الكآبة، وضاقت بها الأرض، ضاق بها المقعد والشباك وانغلق الأفق، حزينة كأنفاس قرية غير محررة، حزينة بعنفوان ظاهر، نهر الحياة يجري، و«السرطان» يقلب جمراته الخبيثة داخلها، كرماح كاسرة لا تفصح عن عتاب، وبينما تصرخ الجراح والعتمة واليباس في داخلها، تهب عليها ريح خاصة فجأة، جعلتها تقلع عن نفسها الحزن والضنك كما تقلع قميصاً بالياً، فقد عثرت على صديق، تحول بعد ذلك إلى حبيب! سألته أما من مخرج مما أنا فيه؟ ليقول لها العالم واسع ولك الخيار! وأخذها في مشوار كان عافية روحية لها، وعرفت معنى الصداقة، وأنها مثل القراءة مرج من عصافير الدوري ورمان، كيف لم تنتبه قبل

هذا، لقد انتزعها «السرطان» من كل ذلك! ووقعت في حب رجل على المعاش تعدى الستين «عم محمود» مسن وحيد لا زوجة ولا أبناء، يقضي وقته في مكتبة متواضعة يملكها لتصوير المستندات، يحاول اكتشاف عوالم إلكترونية جديدة ومتطورة، لم تكن في ذهنه، ويقرر اقتحامها والتعامل معها للإجابة عن تساؤلات كثيرة أصبحت تنتصب أمامه كل يوم، الحب أضاء العتمة التي اكتنفتها، ووضع اليد على ما لم تره، أعاد لها اكتشاف نفسها، أعاد لها اكتشاف حقائق خاصة محتجبة وراء العادي والمألوف، تمردت على أسلوب حياتها الذي حولها إلى مريضة تنتظر الموت، وتقرر منح السعادة لنفسها، والتشبث في حقها في الحياة والسعادة، خاصة أنها تعاني من جحود ابنها المهاجر للخارج، إنه الصراع من أجل الحياة والحق في أن تعيش كما تريد وليس كما يريد الآخرون، اتخذ مؤلف الفيلم من أسباب انقراض الديناصورات التي انشغل بسبب انقراضها «عم محمود» رمزاً لانقراض أشياء كثيرة في حياتنا، بداية في الشكل المعماري العريق للعمارات في الأحياء المختلفة مثل «مشهد تغير وجهات العمارة التي يقطنها عم محمود بلون مستفز أصر عليه رئيس مجلس الملاك» مروراً باختلاف ما يسمى بالجمع بالصحف والمجلات التي كان يمتهنها عم محمود ونهاية بانحسار الأرشيف الورقي الذي تحول إلى البحث الإلكتروني، باختصار ظهور الجديد، تبعه اختفاء القديم، سواء على مستوى الأشياء، أو العلاقات الإنسانية، فمع ظهور التواصل الإلكتروني، تبعه اختفاء تدريجي للتواصل وجهاً لوجه، مما انعكس على الشخصيات نفسها بالسلب وتحولوا لنسخ طبق الأصل «فوتو كوبي» أما أبطال «فوتو كوبي» فرفضوا التحول لشخصيات مشوهة، غفوت بعد انتهاء الفيلم على أحلام بنفسجية ولساعات طويلة، ولأصحو على الساعات الأولى من الفجر، التفت إلى الشباك، أسلمت عيني لجلالة شروق الشمس في الخارج، تأملت فجر مدينة «شيكاغو» بخطوطه الأولى، وهي تبزغ على مهل، تأملت بساط العشب الأخضر على امتداد المطار، وجدتني أهتف أمام المدينة بصوت خافت.. آه أيتها الحياة البهية في الحزن، رحت أكتب بأصابعي على زجاج شباك الطائرة المضبب «صباح الخير يا شيكاغو» وتبرق في ذهني إحدى نصائح «بوزا».. «شاهدوا جميع الأشياء وكأنكم تشاهدونها للمرة الأولى، شاهدوا جميع الأشياء وكأنكم تشاهدونها للمرة الأخيرة!».

* كاتب سعودي