يحتفل العالم هذه الأيام بالقضاء على تنظيم داعش الإرهابي في سوريا والعراق بعد سنوات من المجازر والفظائع التي ارتكبها بحق المدنيين الأبرياء من قطع للرؤوس أمام الكاميرات وسبي للنساء وبيعهن في أسواق النخاسة للإرهابيين، وإحراق للرجال وهم أحياء وغير ذلك من المشاهد التي هزت الضمير الإنساني في كل مكان.

فعل تنظيم داعش ذلك مدعياً أنه دولة خلافة إسلامية وأن زعيمه المخبول العراقي إبراهيم عواد البوبدري الملقب بأبي بكر البغدادي خليفة للمسلمين في كافة أصقاع الأرض.. وقد أفلحت هذه الحيلة البدائية في استقطاب آلاف المخابيل من كافة القارات لمبايعة الخليفة المزعوم الذي سيطر فعليا خلال فترة الفوضى الثورية على مساحات واسعة من الأرض تعادل مساحة دولتين أو ثلاث من دول أوروبا، وها هم جنود الخلافة الداعشية يخرجون اليوم من الباغوز أمام عدسات وسائل الإعلام كالجرذان مستسلمين ومنهين اللعبة مجبرين.

كثيرا ما أشرت طوال الأعوام الماضية في مقالاتي إلى ميلي لتسمية دولة داعش البغدادي بـ «داعش الثانية» إذ إنها سُبقت تاريخيا بدولة مطابقة لها تماما في التأسيس والجرائم والمجازر الفظيعة بل وحتى في طريقة إخراج جنودها كالجرذان من العالم العربي.. تلك الدولة التي تُسمى زورا دولة الخلافة العثمانية بينما الواقع يؤكد أنها دولة داعش الأولى.

في مقال لي نشرته «عكاظ» نهاية ديسمبر عام 2017 ذكرت أنه خلال العقود القليلة الماضية عملت الدعاية الإخوانية التي تعتبر نفسها وريثا شرعيا للمستعمر التركي على تلميع وتنظيف التاريخ الإجرامي لما سمي بـ«الخلافة العثمانية» من خلال سيطرتها على التعليم ووسائط المعلومات، وإلا فإن الحقيقة التي يدركها العقلاء تتلخص في أنه لا يوجد تفاوت كبير بين «خلافة العثمانيين» و«خلافة داعش» في البنية والتكوين والواقع السياسي، فكلاهما تنظيم مسلح سيطر في غفلة من الزمن على أراض شاسعة ونهب مقدرات سكانها، وأطلق زعيم كل منهما مسمى «الخليفة» على نفسه، هكذا بكل بساطة واختصار، الفارق الوحيد بينهما أن العالم اليوم ليس كالعالم بالأمس، وأن زمن التنظيم العثماني لم يحظ بوسائل إعلام تنقل الحقائق للعالم وتدفع قادته للتكتل لمحاربة الإرهاب كما حدث مع شبيهه «داعش».

وفي مقال آخر بعنوان «نصراني يحكم مدينة رسول الله» نُشر في نفس هذا المكان يناير الماضي كتبت: «لمئات السنين لم تعمل أي قوة في العالم على إذلال المسلمين ومقدساتهم وسرقة ثرواتهم كما فعلت دولة الاحتلال التركي الهالكة، وإن كان السيد أردوغان استشاط غضباً من تذكيره بأن العثمانيين نهبوا مقتنيات حجرة النبي عليه الصلاة والسلام عند فرارهم إثر هزيمتهم على أيدي العرب، فلابد من تذكيره أيضاً بأن لدولة «الخرافة» العثمانية سبقاً تاريخياً فريداً في إذلال المقدسات الإسلامية لايمكن أن ينساه المسلمون، وهو تنصيب المرتزق الاسكتلندي المسيحي «توماس كيث» عام 1815م حاكما لمدينة رسول الله ومنتهكاً لترابها وكرامة سكانها وطهارة مقدساتها، وليصبح بذلك أول وآخر شخص غير مسلم في التاريخ يحكم المدينة النبوية».

الجميل أن هذه الحقائق باتت تصل إلى الناس اليوم عبر وسائل الإعلام بكثافة وتزيل التعتيم والتضليل الذي استمر لعقود لتلميع دولة داعش الأولى.. وأحيي من هنا الباحث الكويتي الصديق سلطان الأصقه الذي قدم أمس الأول عبر لقاء تلفزيوني مادة ثرية عن جرائم داعش الأولى، وكل ما أتمناه أن ينتقل هذا الوعي إلى المناهج الدراسية في العالم العربي التي ما زالت تتحدث عن داعش الأولى كدولة لا كتنظيم إرهابي.

* كاتب سعودي

Hani_DH@

gm@mem-sa.com