جولة: طه طواشي تصوير: عبدالعزيز نورالدين
كيف تحولت هذه القرية الهادئة على ضفاف وادي جازان لعاصمة للمخلاف السليماني في أوائل القرن السابع الهجري؟ ومن قام ببناء سورها العظيم وقلعتها "الثريا" الشهيرة؟ وفي عهد مَنْ من الأمراء؟ وما هي مواصفات السور والقلعة؟ وما أهميتهما التاريخية. يقول الدكتور محمد منصور بن حاوي من المؤسف إن ما يواجه الباحث في التاريخ المحلي للمخلاف السليماني في العصور الإسلامية الوسيطة قلة المعلومات بل ندرتها في بعض الفترات التاريخية المتقدمة نظراً لأن التدوين التاريخي في المخلاف السليماني بدأ متأخراً منذ القرن العاشر الهجري تقريباً، فضاعت لذلك الكثير من أخبار المخلاف في العصور الإسلامية المبكرة والوسيطة، كما ساهم إهمال المؤرخين الآخرين من مكيين ويمنيين في رصد جميع أو أغلب الأحداث التاريخية المحلية للمخلاف واقتصار بعضهم على ما له علاقة وصلة بأحداث مناطقهم فقط أو تلك الأحداث المشتركة، وكان لفقد مؤلفات تاريخية لبعض مؤرخي المخلاف دور في غموض هذه الفترات من التاريخ المحلي وإن كنت أظن أن ما وصلنا من مؤلفات كالعقيق اليماني وخلاصة السلاف قد حوت جل ما اشتملت عليه تلك المفقودة. ومع هذا فإن المتوفر من المعلومات لا يشبع نهم الباحث ولا يساعد في تغطية عديد من الجوانب التاريخية للمخلاف وبخاصة ما قبل القرن العاشر الهجري والتي ما يزال يكتنفها الكثير من الغموض، وما زالت الفجوات التاريخية قائمة لا يمكن سدها لندرة أو انعدام المعلومات.

لا نعرف على وجه التحديد متى تأسست جازان العليا وكيف أصبحت عاصمة للمخلاف؟ كما لا نستطيع الجزم بمن اتخذها عاصمة للمخلاف من أمراء الغوانم حكام المخلاف وقت ذاك.
وهنا يشير الدكتور حاوي قائلا: نعم لا نعرف على وجه التحديد كيف أصبحت درب النجا عاصمة للمخلاف ومتى تأسست، لكن إشارة يذكرها النمازي في كتابه: "خلاصة السلاف" يذهب فيها إلى أن إختطاط جازان الأعلى كان في زمن آخر ملوك الأشراف الشطوط أهل باغته الأمير وهاس بن سليمان صاحب جازان المشهور بالمقلمْ ومع أن هذه المعلومة تفرّد بها النمازي إلا أن اللبس والغموض قد اكتنفها. لذلك فإنها تثير العديد من التساؤلات. ولعلنا نستنتج في ضوء ما ذكره النمازي أن انتقال مدينة جازان الأعلى من مرحلة كونها قرية إلى عاصمة للمخلاف كان في زمن الأمراء الغوانم مع عدم التسليم بما ذهب إليه النمازي من تحديد اختطاط المدينة، لأن الأمير وهاس بن سليمان الذي يذكر أنه كان آخر أمراء الغوانم الشطوط أهل باغتة لا يمكن أن يكون هو الذي اختط جازان الأعلى، حيث أنها كانت موجودة منذ ماقبل القرن السابع الهجري، وأصبحت عاصمة للمخلاف السليماني في عهد الأمراء الغوانم الذين عاصرهم الشاعر الجازاني ابن هتيمل. هذا إلى أن الأمير وهاس بن سليمان صاحب باغتة إن كان هو المقصود بلقب المقلمّ حسب قول النمازي فإنه عاصر أمير جازان المنتمي للغوانم في النصف الأخير من القرن السابع الهجري "وهاس بن محمد بن هاشم بن غانم" يدلّ على ذلك قول الشاعر ابن هتيمل المعاصر للإثنين في قصيدة له يُؤنب وهاس بن محمد الغانمي صاحب جازان. ((وهاس أعنيك لا وهاس باغتـــة أميرها ابن سليمان بن منصور)).
الاختلاف على سورها العظيم
ويقول د. حاوي: الحقيقة اننا لا نكاد نقف على إجابة قاطعة واضحة تستند الى معلومات أوردها مؤرخو المخلاف أو غيرهم تذكر تأريخ تأسيس وبناء السور أو اسم الأمير الذي بناه. وكل ما يمكن قوله هنا ان السور كان موجوداً في عصر الشاعر ابن هتيمل أو قبله بدليل ورود الإشارة إليه في شعره الذي مدح به بعض أمراء الغوانم حكام وادي جازان الذين كانوا يتخذون من جازان الأعلى عاصمة لهم. ونجد أن أبرز شخصيتين عاصرتا الشاعر ابن هتيمل في القرن السابع الهجري هما: وهاس بن محمد بن هاشم بن غانم, وابنه محمد بن وهاس أميرا جازان في ذلك الوقت.
لذلك لا يبعد بناءَ على ما ورد في شعر ابن هتيمل من أوصاف لقصور جازان ودربها وتحصيناتها وتشبيهها بالصرح الممرّد أو كشيطان من الإنس مارد أن يُستدلّ منها على أن المدينة كانت وقتها محصنة ومن أهم تحصيناتها دربها أو سورها الضخم المنيع ذو الأبراج العديدة عالية البنيان. ونخلص هنا أن السور كان موجوداً منذ بداية عهد الأمراء الغوانم منذ أوائل القرن السابع الهجري وكان من أبرز معالم جازان الأعلى وأهم تحصيناتها.
مواصفات السور
ربما كان للسور أكثر من باب فمن خلال الزيارة التي قمت بها رصدت أن هناك بوابة تقع في الضلع الجنوبي للسور ولم أستيقن إن كانت هناك بوابة من الجانب الشمالي لزحف المساكن على جزء كبير من السور.
في وقت يذكر المؤرخ محمد بن أحمد العقيلي رحمه الله وصفاً دقيقاً-وقت زيارته- لبقايا مدينة جازان الأثرية في عام 1379هـ و 1383هـ أن البوابة الرئيسية للسور تقع في الناحية الغربية وكان بناء السور قوياً ومتيناً من الصخور البركانية القوية بحسب البقايا الموجودة منه، وثم أن ارتفاع السور كان يقارب12 ذراعاًَ، وأن بين كل 250 ذراعا تقريباً برجا على مدار السور كما أن عرض ما بقي منه يتراوح بين 6 إلى 7 أذرع وأن محيطه يزيد على أربعة كيلومترات.
اما الدكتور الزيلعي فذكر أن بعض بقايا السور يصل ارتفاعها في بعض الجهات إلى ثلاثة أمتار.
ويضيف د. حاوي الذي يظهر من بقايا السور الآن أنه لم يكن مضروباً على جميع المدينة، بل على جزء منها ربما كان هو القسم الأكبر من المدينة أو هو الحي الرئيسي الذي يضم قصور الأمراء الغوانم وأقاربهم وحاشيتهم وحصون المدينة وقلعتها الثريا بدليل وجود بقايا أساسات مبانٍ تقع خارج السور وبخاصة من الناحيتين الشرقية والجنوبية.
الواقع يدلّ على أنه كانت هناك مساكن ومبان خارج السور وقتها يؤكد هذا تلك الإشارات الواردة في بعض المصادر فمثلاً يذكر ابن فهد في أحداث حملة محمد بن بركات على جازان عام 882هـ أن المباني كانت داخل المدينة وخارج المدينة. ويظهر أن بعضاً من المباني الواقعة خارج السور كانت عبارة عن عشش.
قلعة الثريا
تعتبر ((قلعة الثريا)) من أهم التحصينات والمباني الدفاعية التي كانت تشتمل عليها مدينة جازان العليا ((درب النجا)) المندثرة وهي القلعة المشهورة التي عرفت عند مؤرخي المخلاف السليماني بقلعة (الثريا) ولكن لم نقف على معلومات تدلنا على سبب هذه التسمية، ومتى أُطلق عليها هذا المسمى. يقول د.حاوي يرد اسم قلعة الثريا عند مؤرخي المخلاف ويذكرونه في سياق ما يروون من أحداث تاريخ القطبيين دونما إشارة عن سبب هذه التسمية، ولا نكاد نجد فيما وقع تحت أيدينا من تواريخ المخلاف المحلية شيئاً يدل على تاريخ بناء وتأسيس القلعة، كما لم نقف على معلومات مؤكدة عن الذي قام بتشييد قلعة (الثريا). .بيد أن أول ما وردت هذه التسمية كانت في بعض الأبيات الشعرية التي تضمنها ديوان شاعر المخلاف في القرن العاشر الهجري والذي كان شاعر الأمراء القطبيين الذين حكموا المخلاف السليماني ما بين 809- 943هـ (الجراح بن شاجر الذروي) إذ يقول من قصيدة له في مدح الأمير محمد المهدي: وترى (الثريا ) سمكهــــا عال.. على بدر السما وعـــلاه.
ويستشفُّ من قوله هذا أن القلعة سامقة البنيان تكاد من طولها تسامق الثريا علواً وارتفاعاً وإشرافاً على غيرها من قصور المدينة ومبانيها.
كما يتضح من قول الشاعر سبب تسمية قلعة جازان بـ (الثريا).
ويضيف د .حاوي قائلا وإن كانت قد وردت إشارات لا تستند على روايات موثقة، وهي اجتهادات في الأغلب الأعمّ تذهب إلى أن العامر لهذه القلعة ليس إلا خالد بن قطب الدين أول أمراء الأشراف القطبيين الذين أصبحوا حكاماً للمخلاف السيلماني بعد بني عمومتهم الأشراف، "الغوانم".
ويضيف د. حاوي: يُعتبر المؤرخ البهكلي أول من ذهب إلى القول بأن الأمير خالد هو المؤسس للقلعة في أول القرن التاسع الهجري حيث قال :"اعلم أني قد طالعتُ" بغية المستفيد في تاريخ مدينة زبيد " للدبيع مطالعة الاستقصاء فلم أره ذكر عمارتها القديمة مع ذكره لملوك زبيد وعمارتهم إلى مدة بني طاهر رأس المائة التاسعة، وطالعت " قرة العيون في أخبار اليمن الميمون " له أيضاً أمراراً لا استقصاءًَ، ولا أخاله ذكر عمارتها . وبعض تاريخ أبي الحسن الخزرجي ولم أر فيما رأيت ذكراً لعمارتها.
ومع أن المؤرخ النمازي يتابع البهكلي في اجتهاده السابق إلا أنه يطرح مع ذلك رأياً آخر يذهب فيه إلى أن أول من اختط القلعة كان آخر ملوك المخلاف السليماني من الأشراف الغوانم المشهورين بالشطوط ولم يقطع برأي جازم بل في كلامه صيغة التضعيف "قيل" حيث يقول في كتابه "خلاصة السلاف" أعلم أن لهذه القلعة المشهورة بالثريا من الأخبار المذكورة في تواريخ اليمن وغيره من الأقطار مما لا يضبطها انحصار، وقد سبق ما ذكرناه أن أول اختطاطها كان في زمان آخر ملوك المخلاف من الأشراف الغوانم المشهورين بالشطوط وقيل كان اختطاطها في زمن الأمير "خالد قطب الدين" أول ملوك المخلاف من الأشراف القطبيين والله أعلم".
مساحة القلعـــة
يُعتبر البهكلي أول من حاول الإشارة إلى مساحة القلعة في كتابه العقد المفصل بالغرائب والعجائب عند كلامه عن قيام الشريف أحمد بن غالب في العام 1104هـ بإعادة بناء وتشييد القلعة للتحصن بها أمام الهجمات التي كانت تشنها عليه قبائل المخلاف وأئمة اليمن وغيرهم. وقد اعتمد على رواية غيره في تقدير هذه المساحة لذلك لم يورد رأياً قطعياً فقال: "وروى لي بعضهم أنها مسحت فجاءت ثلاث معاود إلا ثمن معاد وقيل: ثلاث معاود وقيراط . ويبدو أنه قام بزيارة إلى القلعة عندما بدأ الشريف أحمد بن غالب بالاستعداد لإعادة بنائها فوجد أن أسّها القديم من الجانب الغربي يبلغ بمقاس الذراع سبعة أذرع ونصف ذراع، وأن به باباً قام الشريف أحمد بن غالب بسدّه . وبما أن الذراع بالمقاييس الحالية يساوي 48سم2 تقريباً فإن ذلك يعني أنه يقارب (ثلاثة أمتار ونصف المتر تقريباً).