خلال السنوات الأخيرة شهدت العديد من المساجد والكنائس عددا من العمليات الإرهابية، فقد تعرضت كنائس في القاهرة وفي سيناء لتفجيرات وقتل جماعي بالرصاص، وهذا ما حصل في مساجد وحسينيات في السعودية والكويت ومصر وغيرها، بل لم يسلم المسجد النبوي من محاولة تفجير قبل سنوات.

العملية الإرهابية الأخيرة استهدفت نيوزيلندا، وهي من البلدان المتقدمة في التصنيفات الدولية للتعليم والاقتصاد، ومصنفة ضمن أكثر المناطق ملائمة للعيش، وهذا يعني بالنتيجة وجود بيئة قابلة للتعددية الدينية والعرقية.

كما أنها مملكة دستورية ضمن ست عشرة دولة تتبع التاج البريطاني، وإن مثلت نظاما برلمانيا لديه جل الصلاحيات، ولهذا مثلا كان الرعب من الحادثة على نفس الدرجة في بريطانيا وأيرلندا وبالطبع أستراليا، موطن المهاجم الإرهابي.

هذه الحادثة تؤكد على وجود تطرف لا ينطلق من نص ديني هنا أو هناك، ولا من طبيعة مكون عرقي عنصري، وإن كان البيض مثلوا هذه العنصرية بإبادات شهدتها عدة مستعمرات، إلا أنها ليست محركا حقيقيا لإرهاب اليوم.

بل يبدو إرهاب اليوم يحدد الأهداف ثم يضع الأدوات اللازمة له، ويعلق بعد الحدث اللافتة التي من المفترض أن تعلن المسؤول عن العملية، والذي قد يكون موضحا لمن المستفيد، وفي غالب الأحيان يكون بيان المسؤولية للتضليل عن صاحب المسؤولية الحقيقية.

هذه الحادثة في أرض هادئة بعيدة عن التطرف مثل نيوزيلندا، وهذا عادة ما يستهدف صدى أكبر من المعتاد، فالعمليات الإرهابية في بلد تعرضت لعدة عمليات يكون أقل أثرا، وأقصر عمرا للبقاء في ذاكرة الناس وفي التأثير الإعلامي.

واللافت أن توقيت الحادثة يتزامن مع إعلان الإدارة الأمريكية القضاء على داعش في سورية، وما سبقه من حديث الإدارة الأمريكية عن وجوب عودة العناصر الإرهابية الأوروبية إلى بلدانها الأصلية، وهو يأتي أيضا بعد أشهر من إعلان رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي القضاء على داعش في سورية.

إذن هي في زاوية منها سعي لإشعال دورة الإرهاب والإرهاب المضاد، مع الاقتراب من القضاء على إحدى أبشع الجماعات الإرهابية «داعش»، والتي لم تنته تماما بل ربما شهدت فرصا للنمو في ليبيا وأفغانستان، وهو ما يؤكد على عولمة الإرهاب على جغرافيا واسعة، وهذا ما بدأه تنظيم القاعدة سابقا، والذي يمتلك علاقات وثيقة مع النظام الإيراني بشكل ظهر تباعا عبر السنوات.

ويقال إن التراخي الأمريكي لإدارة أوباما مع إيران لم يكن دافعه الوحيد الاتفاق النووي، بل كان يستهدف التصدي لداعش وإن كان بالتعاون مع إيران، والاستعانة باللصوص للتصدي للصوص آخرين لا يبدو إستراتيجية مثالية.

إيران بالتأكيد يمثل القضاء على داعش تحديا لحججها في إرسال المليشيات لسورية والعراق، تظهر تركيا أيضا والتي تردد عليها الإرهابي في أكثر من زيارة، ثم توجه نائب الرئيس التركي ووزير الخارجية إلى نيوزيلندا يعزز بلا شك الشكوك حول دور تركي لا تأكيد عليه بعد، وما سرعة إظهار صور الإرهابي عبر صحف قريبة من النظام إلا مؤشر على أن الحزب الحاكم على أقل تقدير يريد التكسب من الحادثة لدعم حظوظه في الانتخابات البلدية المقبلة.

وقد ذهب البعض إلى دور إسرائيلي، خاصة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي في ديسمبر الماضي أخبر وزير الخارجية النيوزيلندي بأن دعم قرار الأمم المتحدة الذي يدين بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة سيُعتبر «إعلان حرب».

وبعيدا عن المستفيد، تظهر حادثة نيوزيلندا لتوقظ فينا جرس إنذار مرتفع، حول الألعاب التي نترك أبناءنا قبالتها لساعات دون أن ندرك تأثيرها عليهم ولا عواقبها، لكن في حادثة نيوزيلندا مفارقة لافتة بين الرصاص الذي يمثل أعلى درجات رفض التعايش وإنهاء الحوار، وبين مراهق أسترالي اختار البيضة «رمزا للحياة» ليرشق بها نائبا أستراليا متطرفا، وكأنه يقول نحن الجيل القادم نريد أن نحيا معا.. ونعترض على طرحكم العنصري.

* كاتب سعودي

Twitter: @aAltrairi

Email: me@aaltrairi.com