الجمعة ما قبل الماضية كانت مأساوية لأكثر من مليار ونصف مسلم، لكن الجمعة الماضية كانت بلسماً شافياً للقلوب الحزينة الغاضبة من سفك دماء المسلمين في مسجدين بنيوزيلندا خلال صلاة الجمعة، النجم الذي حول المأساة إلى مواساة عظيمة كان زعيمة اسمها جاسيندا آردرن، وبفضل تعاملها مع الحدث تحول معها الشعب النيوزيلندي إلى نجم آخر، بل تحول معها العالم بأسره إلى حالة إنسانية فريدة تجاه الحدث.

أصغر رئيسة وزراء في تأريخ نيوزيلندا فعلت ما لم يفعله الزعماء الكبار المخضرمون قبلها، في بلدها وغير بلدها، عندما تواجههم أزمات أقل مما واجهته. العظمة لم تكن في شعورها وأحاسيسها الذاتية النبيلة تجاه الجالية المسلمة فقط، وإنما الأهم هو روح القيادة والزعامة والكاريزما التي مكنتها من جعل الشعب النيوزيلندي يتماهى مع موقفها ويدعمه ليتحول التعاطف إلى تظاهرة وطنية داعمة للتسامح ورافضة للعنف والكراهية والإرهاب والتمييز العنصري على أساس الدين والعرق.

زعيمة مثقفة واعية مدركة لكيفية إظهار صورة ناصعة ومقنعة عن ذاتها وشعبها. امتزج في إدارتها للأزمة الجانب الإنساني وذكاء السياسي وشجاعة اتخاذ القرار. خلال أسبوع كانت حاضرة في المشهد العالمي وهي تدير الأزمة إنسانيا وسياسيا. كانت واضحة منذ اللحظة الأولى في تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية، أكدت أنها عملية لا يمكن وصفها إلا بالإرهاب، اتخذت إجراءات حاسمة في مسألة اقتناء الأسلحة، وتعهدت بحماية الجالية المسلمة، وكانت ذروة أدائها يوم تشييع الضحايا وإقامة صلاة الجمعة الثانية بعد الحادثة، ذلك المشهد الذي وقف فيه العالم إجلالا لتلك السيدة وحكومتها وشعبها، والذي يجب أن يقتدي به بقية زعماء العالم في تعاملهم مع مثل هذه الحوادث الكريهة.

هذه السيدة التي لم يسبقها إلى ما فعلته أي رئيس دولة غربية تجاه المسلمين ووباء الإسلاموفوبيا تستحق أن تكون أيقونة السلام العالمي، لها حق علينا كمسلمين أن تحتفي بها المنظمات والهيئات والحكومات في العالم الإسلامي كي نثبت للعالم أننا نحترم ونحتفي بدعاة السلام والتعايش الإنساني، وتحتاج أيضا إلى دعم إسلامي وعالمي لتكون أيقونة نوبل للسلام والمحبة الإنسانية.