يُستحب النظر والتأمل في الواقع بوصفه نتاجاً للماضي، وذلك بهدف تشخيص الأخطاء واستلهام العبر، ودراسة الأسباب والمسببات التي أدت إلى ما وصلت إليه الأحوال والأوضاع في عالمنا العربي ووقتنا الحاضر. وكما قال لي صديقي الدكتور عبدالله الخطيب نقلاً عن الفيلسوف الفرنسي إدغار موران «علينا أن نُشيِّد الماضي من خلال الحاضر»؛ لأن الماضي الذي نشيِّده هو ما نصنعه اليوم لتتذكره الأجيال المقبلة.

لقد فشلت الحركات والانقلابات والثورات التي قامت في بعض بلدان العالم العربي في تحقيق معظم أهدافها إن لم يكن جميعها، وذلك في ما يخص القضاء على الاستعمار، والقضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال، والقضاء على الإقطاع، وإقامة عدالة اجتماعية، وإقامة حياة ديموقراطية سليمة، وسبب ذلك - في نظري - يرجع إلى زوال الأخلاق والقيم والعدالة بمفهومها الشامل عند التطبيق لهذه الأهداف، وكذلك تناقض كافة الإجراءات المطبقة مع الأهداف المُعلنة.

هذه الحركات والثورات جعلت من القرارات الفردية وتعطيل الدستور ومصادرة حقوق وأموال الناس - بدون تفرقة بين الفاسد والمجتهد، وبدون ضوابط ومحاكمات عادلة - وسيلة للقضاء على الخصم المُتوهم والمُتخيل، فكان في ذلك دمار المال الوطني والمكتسبات القومية والوطنية. وفي الحقيقة كانت هذه الإجراءات متناقضة مع الأهداف المُعلنة ومخالفة لها ومُعاكسة لما يجب اتخاذه من إجراءات تقوم على القيم والأخلاق والعدالة.

الانتكاسة التي أصابت العالم العربي والتي تتمثل في ضياع الأخلاق العامة والانقلاب على القيم وسيادة القوة والظلم مكان العدل والرحمة، وتفشي الكذب والتزوير وصناعة الأخبار الملفقة، والانتقاص من الماضي، كل ذلك أدى إلى صناعة وإنشاء طبقة جديدة تؤمن بالانتهازية واقتناص الفرص للإثراء وللسلطة والقوة.

كل ما تحقق من نتائج كان مقابل خسائر فادحة أكبر بكثير من ما تحقق من نتائج على أرض الواقع؛ قد دفع الوطن والمواطن ثمناً باهظاً نحتاج لكي نتجاوزه إلى تصويب وتصحيح واعتراف بالأخطاء وإعادة الاعتبار للمتضررين. والاعتراف بأخطاء الماضي يُمكننا من صناعة المستقبل وتصحيح المسار والبناء على المكتسبات التي تحققت وتجاوز الأخطاء وما أفرزته من نتائج ومُحصلات.

إن ما يطلق عليه الربيع العربي، والذي هو في حقيقته خريف ودمار، هو نتاج صناعة قديمة ومسلسل من الأخطاء المتراكمة التي كرست الطائفية والمذهبية والقبلية والمناطقية والجهل، وغير ذلك من أمراض اجتماعية، والتي هي نتيجة مباشرة لضياع الأخلاق والقيم والعدالة، التي سنتها هذه الانقلابات والحركات وما يُسمى بالثورات القومية.

إعادة الحياة للمفاهيم وللقيم والأخلاق والعدالة، هو المخرج من الحفرة أو غيابة الجب التي نعيش فيها، والتي هي نتيجة الانقلاب على الأخلاق والقيم ومبادئ العدالة. ومن المهم أن نعلم أنه كلما تأخر المجتمع وصناع القرار في تصويب الأخطاء كلما استفحل المرض والآفات التي تنتج من ضياع القيم والأخلاق والعدالة والانقلاب عليها.

* مستشار قانوني

@osamayamani

yamani.osama@gmail.com