أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء الإثيوبي أبيي أحمد في أديس أبابا يوم الأربعاء ١٣ مارس الحالي عن اتفاق دفاعي تقدّم فرنسا بموجبه لإثيوبيا قرضا يبلغ 85 مليون يورو لدعم تأسيسها «أسطولا بحريا». وينص اتفاق التعاون العسكري بين البلدين أيضا على التعاون الجوي والعمليات المشتركة وفرص التدريب وشراء المعدات.

حدث هذا خلال زيارة ماكرون لشرق أفريقيا للفترة من 11-14 مارس 2019، والتي شهدت زيارة ماكرون لأكبر قاعدة بحرية تملكها فرنسا خارج حدودها في جيبوتي، وشهدت أيضاً توقيع اتفاقات تعاون فرنسي مع كل من إثيوبيا وكينيا في مجال الفضاء، إضافة لاتفاقات تنموية وثقافية أخرى.

وبهذا تخطو إثيوبيا صاحبة ثاني أكبر تعداد سكاني في أفريقيا، أول خطواتها العملية على طريق إعادة بناء أسطولها البحري الذي تخلت عنه سنة ١٩٩٤ بعد أن أصبحت «دولة مغلقة» لا تتمتع بالإشراف على بحر مفتوح إثر انفصال «أريتريا» عنها ونيلها الاستقلال سنة ١٩٩٣.

والحقيقة أن إثيوبيا كقوة رئيسية في القرن الأفريقي لم تستسلم للإغلاق بعد فقدانها لموانئ أريتريا خاصة عصب ومصوع، فلجأت لخيارات أخرى في دول مجاورة، وإن كانت أبعد وأعلى كلفة. وهي الآن تحتفظ بميناء في جيبوتي لتلبية احتياجاتها في مجال النقل البحري حيث تمر حالياً 95% من حركة صادراتها ووارداتها عبر هذا الميناء. ولم تكتف إثيوبيا بعنب جيبوتي، بل سعت لتملك حصص في الكرم نفسه بالاتفاق على تبادل تملك الأسهم في الموانئ وشركات الطيران والاتصالات التي يملكها القطاع العام في الدولتين. كما وسّعت إثيوبيا نطاق امتدادها شمالاً وجنوباً على البحر الأحمر والمحيط الهندي باتفاق حكومة أبيي مع حكومة البشير على تطوير ميناء «بورسودان» على البحر الأحمر، واتفقت مع كينيا على الانتفاع بأراضٍ في ميناء لامو «للتيسير اللوجستي»، واستحوذت على حصة في ميناء «بربرة» في دولة «أرض الصومال» المجاورة لجيبوتي والمعلنة دولة من جانب واحد لا يعترف بها سوى إثيوبيا.

وفي خضم كل هذه الإجراءات العملية والتفاهمات مع دول الجوار البحرية، لم تخف إثيوبيا رغبتها في إعادة بناء أسطولها البحري للعمل في أعالي البحار، فقد سبق أن كشف رئيس الوزراء الإثيوبي، في يونيو الماضي، عن طموحات بلاده في بناء قوة بحرية في اجتماع مع القادة العسكريين حين قال «في أعقاب الجهود المبذولة لبناء قدرات دفاعنا الوطني، قمنا ببناء واحدة من أقوى القوات البرية والجوية في أفريقيا.. ويجب أن نبني قدرات قواتنا البحرية في المستقبل».

وهنا يجب التأكيد على ما يعنيه رئيس الوزراء بالقوات البحرية. فهو لا يعني قوات لحماية العشرين بحيرة مائية ولا الأنهار في أراضي إثيوبيا وفي العمق الأفريقي فهذه مسألة أخرى تقوم بها محلياً، وستنضم فيها إلى دول أخرى أفريقياً، فستشكل إلى جانب جمهورية أفريقيا الوسطى، ورواندا، وأوغندا، تحالفاً لحماية أنهارها وبحيراتها، فالأسطول البحري المقصود هنا هو الأسطول الذي يعمل في البحر والمحيط عبر المواقع التي ذكرناها.

ولا خلاف على أن إثيوبيا دولة صديقة تشاركنا في حوض البحر الأحمر حتى وإن كانت من دول النسق الثاني، ولا خلاف أيضاً على أن من حق إثيوبيا، كدولة ذات سيادة، حماية مصالحها الحيوية في بحار مضطربة أمنياً، ولكن اللهجة التي قدّم بها مشروع بناء القوات البحرية هي موضع تساؤل وقلق للعديد من المراقبين.

ففي معرض تعليقه أثناء المؤتمر الصحفي على الوجود الصيني في المنطقة قال ماكرون «لا أرغب في رؤية استثمارات دولية تضعف سيادة شركائنا، فالشركات الفرنسية قادرة على اقتراح شراكة محترمة».

وعزز القلق من توجه إثيوبيا لبناء أسطولها البحري بدعم فرنسي ما أبداه، روبا ميجرسا أكواك، رئيس المؤسسة الإثيوبية لخدمات النقل والإمداد المملوكة للدولة، لبلومبيرغ من أن إثيوبيا تشعر بالقلق من سيطرة القوات البحرية الأجنبية على جيبوتي. فالولايات المتحدة والصين واليابان وفرنسا جميعها لها قواعد عسكرية هناك. وقال روبا: «نحن خائفون، ربما في المستقبل، من أنه حتى جيبوتي قد لا يكون لها رأي في تقرير مصيرها. إنه تهديد لإثيوبيا». وأضاف روبا بأن البحرية الإثيوبية ستساعد أيضا في حماية السفن التجارية الإثيوبية الـ 11 في منطقة «البحر الأحمر شديدة التقلب»، حيث توجد لإثيوبيا مصالح اقتصادية أخرى «وهناك مصالح سياسية متضاربة».

ويبقى أن نعرف بأن رئيس الوزراء الإثيوبي أبيي أحمد هو رجل إصلاحي منفتح ذو نوايا سلمية واضحة تجاه الإقليم ويعمل على فتح قنوات التعاون مع الجميع بما في ذلك أريتريا التي قبل مصالحة معها برعاية المملكة العربية السعودية قال على إثرها إن البلدين «ليسا متشابكين في المصالح فحسب بل في الدم أيضا». ووافق، كبادرة حسن نية، على قرار لجنة الحدود لعام 2002 الذي منح الأراضي المتنازع عليها، بما في ذلك بلدة «بادمي» لأريتريا. وتأمل إثيوبيا الاستفادة من ميناء «عصب» الأريتري على وجه الخصوص لقربه من باب المندب، فالمسافة بينه وبين المضيق نحو٢٠ ميلا بحريا، وبينه وبين ميناء «المخا» اليمني نحو40 ميلا بحريا، ولتوفيره طريقاً مباشراً ومختصراً للصادرات والواردات الإثيوبية.

ولذلك، أدعو الدول العربية الأعضاء في التنظيم الوليد لدول حوض البحر الأحمر للنظر بعين العقل لا التوجس لمشروعية مصالح ومخاوف إثيوبيا وأريتريا أيضاً في البحر الأحمر. فبعض المخاوف التي أبداها «روبا» هي مخاوف مشتركة بيننا وبين إثيوبيا. ولقطع الطريق على رعاية فرنسا للأسطول الإثيوبي وتوجيهه وجهة لن ترضينا أو ترضي الصين ذات المصالح المباشرة التي تفوق مصالح فرنسا وغيرها في إثيوبيا، وبريطانيا التي تسعى بدورها للبحث عن موطئ قدم على الساحل المقابل وسواحل قريبة أخرى، وغيرها من القوى العظمى التي تتناطح في القرن الأفريقي، يمكن أن نسهم في بناء الأسطول الإثيوبي ونستضيف قطعه في بعض موانئنا العربية أسوة بالسودان، ونوفر له خط إمداد آمن، ليصبح قوة بناءة ضمن منظومة أمنية ودفاعية إقليمية متكاملة غايتها القصوى حماية سيادة دول حوض البحر الأحمر وحرية الملاحة فيه.

* اقتصادي وباحث إستراتيجي سعودي