يشير عدد من الإحصائيات العالمية إلى أن ما يقرب من 35% من الوظائف المعروفة حالياً ستختفي في غضون 10 سنوات، وما يقرب من 45% منها سيختفي خلال الخمس وعشرين سنة القادمة، وذلك بفضل التطور التكنولوجي في كافة مجالات التصنيع المعتمدة على مخرجات ثورة الاتصالات، وهو ما يضعنا أمام حقيقة واضحة، وهي أننا بحاجة ماسة لإعادة هيكلة منظومة التعليم في المملكة، وتتشارك الجامعات الحكومية والخاصة في تخريج الكوادر المطلوبة لسوق العمل، لذلك فالتنسيق بينهما يعد من الضرورة بمكان حتى لا يؤدي ذلك إلى بطالة في بعض التخصصات غير المطلوبة، غير أن البعض قد ينظر للتعليم الأهلي الجامعي نظرة قاصرة قد تشوبها بعض الريبة، وقد يعتقد البعض الآخر أن إنشاء جامعة أهلية هو مجرد مشروع تجاري يهدف القائمون عليه لجني أموال طائلة على حساب كفاءة الطالب، إلا أن الأمر ليس كذلك بطبيعة الحال.

ولو نظرنا للكثير من الدول الأخرى فسنجد أن لديها جامعات خاصة ذات كفاءة عالية باتت تنافس -بل وتتفوق في بعض الأحيان- على الجامعات الحكومية، ولم يتم الحصول على تلك النتائج المبشرة إلا من خلال إدارة جيدة لهذه الجامعات، ومن خلال إخضاعها لإشراف الجهات الحكومية المختصة، ودمجها ضمن مشروعات الدولة القومية وأهدافها المستقبلية وخططها المستدامة، فأصبحت النتيجة هي زيادة عدد الجامعات الأهلية وحصول الكثير منها على اعتمادات دولية اعترافاً بكفاءتها.

من الناحية النظرية تمثل الجامعات الأهلية متنفساً للآلاف من الطلاب ممن لا يحالفهم الحظ للالتحاق بالجامعات الحكومية، وهو ما يعني تقليل كثافة عدد الطلاب الملتحقين بالجامعات الحكومية، مما يقلل من العبء الملقى على كاهل الدولة من جهة، ومن جهة أخرى يحسن مخرجات العملية التعليمية التي يسهل حينئذٍ مراقبتها، كما أن الالتحاق بالجامعات الأهلية سيعني بداهة تركز الطلاب في عدد من التخصصات التي يحتاجها سوق العمل فحسب، لأنه من غير المنطقي أن يدفع الطالب تكاليف لدراسة تخصص غير مطلوب، ومن هنا فإن الجامعات الخاصة تقوم تلقائياً بمواءمة الخريجين مع التخصصات العملية المطلوبة في سوق العمل المحلي.

غير أنه بطبيعة الحال تظهر نقطة جوهرية هنا تظل مثار الشد والجذب؛ وهي تتعلق بمدى كفاءة الطالب المتخرج من جامعة أهلية مقارنة بالجامعات الحكومية، وهنا تكمن الإجابة في أهمية خضوع هذه الجامعات لإشراف حكومي دقيق لكل من: مناهجها وتخصصاتها، طرق التدريس المطبقة فيها، السياسة التعليمية المتبعة فيها، والأهم من ذلك هو التأكد من مدى التزامها بتحقيق مؤشرات الابتكار، ومدى مساهمتها في مجال الأبحاث العلمية، وهو الأمر الذي يبدأ من مرحلة التخطيط لإنشاء الجامعة وحتى تخرج الطلاب منها، بحيث تمثل هذه الجامعات في نهاية المطاف نوعاً من القيمة المضافة لمنظومة التعليم في المملكة، حتى تصبح أحد الروافد المهمة لدعم خطط التطوير والتنمية المستدامة للدولة.

من المؤكد أن قدرة الجامعات الأهلية على التلاؤم مع متطلبات الحياة المعاصرة تفوق قدرة مثيلاتها الحكومية، فالأخيرة تعاني من قدر كبير من الروتين والبيروقراطية، وبخلاف ذلك فإن الجامعات الخاصة لديها قدرة على تمويل معاملها وتحديث مرافقها وتطوير معداتها بما تملكه من مصادر تمويلية خاصة، كما أن لهذه الجامعات قدرة على توفير برامج تعليمية مميزة مثل برامج التعليم المستمر وغيرها، أضف إلى ذلك السعي الدؤوب لبعض الجامعات الأهلية للحصول على اعتمادات أكاديمية دولية في بعض التخصصات التي تقدمها، ومن المؤكد أن هذه المميزات تمكنها من مواكبة التطورات العلمية السريعة المتلاحقة، كما تمكنها من احتضان المواهب والطلاب المميزين في جميع المجالات.

من المهم أن يتم البدء بالنظر للتعليم الأهلي الجامعي في المملكة بقدر أكبر من الاهتمام، والاستفادة من التجارب المماثلة في الدول المتقدمة، فالتعليم الخاص لديه قدرة أكبر على الاهتمام بكل طالب على حدة، كما أنه يعد أحد روافد الاقتصاد المهمة، إلا أنه بحاجة -كما ذكرنا- إلى مزيد من التخطيط والإشراف والمراقبة وخاصة في مجال الموارد البشرية، فعلى سبيل المثال يجب الاهتمام بتأسيس هيئة تدريس خاصة بكل جامعة وعدم الاعتماد بصورة كلية على الانتداب أو الإعارة، وهو ما يعني الاهتمام بشكل خاص بسياسة تطوير نظام الدراسات العليا فيها، كما يعني أيضاً إشراكها في خطط الدولة التعليمية بحيث تتكامل مع الجامعات الحكومية كماً وكيفاً، وبما يمثل إضافة حقيقية للمنظومة التعليمية في المملكة، ولسوق العمل فيها أيضاً.

* كاتب سعودي