من فينا لا يعشق «جدة»؟

من فينا لم تكن له معها قصة عشق لشيء فيها؟ من ذا الذي يجرؤ أن يقول إنها ليست سيدة الليالي والأيام، ونبع الشعور والإلهام، ووحي القصائد ونافورة العطر الأسطوري وأغنية الزمن التي لا يمل أحد من سماعها، من ذا الذي يستطيع أن يتحمل ذنب الاعتراض على أن: «جدة غير».

هي قصيدة الشعراء، ولحن الفنانين، وأهزوجة البحارة، ونشيد الأزقة العتيقة، ورعشة المواعيد، وارتجاف الكفوف العاشقة، وسيمفونية الموج، وخفق القلوب بانتظار لحظة اللقاء.

كلنا نحبها، نعشقها، لكن هناك عاشق استثنائي مر بتأريخها، ليس مرور الكرام، بل مرور الراسخين في العشق، عاشق استثنائي اسمه «محمد سعيد فارسي»، أعطاها كل نبضه، لكن قدره أراد أن تكون نبضة قلبه الأخيرة وهو بعيد عنها. لم أعرف المهندس الفارسي شخصيا، لكني عرفته من خلال وجوده في كل تفاصيل جدة التي نعرفها الآن. هو الذي كان جريئاً في عشقها، ومتوازناً أيضاً. ألبسها أجمل الحلل الحديثة دون أن ينزع عنها خلاخيلها وزينتها الجداوية العتيقة، جلب لها فساتين ميلانو وعطور باريس ومجوهرات جنيف دون أن يطلب منها التخلي عن ثيابها وعطورها وحليتها التي تحتفظ بها في صناديقها العتيقة.

حين ضاقت أحشاؤها بمن فيها شق لها الدروب الجديدة كي ترتاح، وحين اختنقت فتح لها منافذ الأكسجين، وحين افتقدت بحرها أعاده لها، وحين حزنت على تأريخها أعاد لها كثيراً من تفاصيله. ليس ذلك فحسب، بل كانت له مبادرات اجتماعية خلاقة عرفتها من أصدقائه ومجايليه، خصوصا في ثلوثية أبي الشيماء محمد سعيد طيب، الذي حدثني كيف بادر على الفور بتخصيص قطعة أرض لنادي جدة الأدبي عندما دار الحديث حوله وكيف استنهض رجال الأعمال والوجهاء في جدة لإنشاء مبنى النادي، وأيضا كيف جهّز أرض مشروع الأمير فواز السكني في جدة عندما طالب بعض الأكاديميين وأساتذة الجامعة بإنشاء حي سكني يستوعب الطبقة الوسطى، وكيف سعى في مبادرات لا يتسع المجال لذكرها هنا.

لا يليق بنا أبداً ألاّ تخلد جدة هذا العاشق الاستثنائي. لا يليق بنا كمجتمع ألاّ يكون اسمه حاضراً في تأريخ جدة. لا يليق بنا ألّا نكون أوفياء.