أتذكر اليوم الذي أعلنت فيه شركة تويوتا التوقف عن إنتاج سيارة «كريسيدا»، وأتذكر أيضا اليوم الذي توقفت فيه الشركات المختلفة عن إنتاج شرائط الفيديو، ويوم توقفت شركة «جلاكسو» عن إنتاج دواء «البنادول» الأبيض، كلها منتجات أثرت على حياتنا بشكل أو آخر وتركت بصمات مهمة، وكانت قرارات توقفها قوية لمحبيها. وفي منتصف الشهر الماضي، أحسست بنفس الشعور عندما أعلنت مجموعة إيرباص الأوروبية إيقاف تصنيع طائرة 380 لأسباب اقتصادية، علماً بأنها أكبر طائرة ركاب تجارية في العالم. لم تكن مفاجأة، ولكنها تجعلنا نقف وقفة تأمل للعديد من الأسباب ومنها التالي: كان قرار دخول المجموعة الأوروبية في هذا المجال في التسعينات الميلادية يمثل حركة جريئة جداً تم من خلالها «مناكفة» البوينج 747 الجامبو التي هيمنت على عالم الطائرات التجارية العملاقة لمدة نصف قرن. وكانت الجرأة الأوروبية ألاّ تنافس طائرتهم الجامبو الأمريكية فحسب، بل تتغلب عليها باقتصادياتها وتقنياتها. وكانت الطائرة عجيبة لأنها كانت أكبر من البوينج 747 الجامبو. كانت المساحة الداخلية تفوق مساحة البوينج 747 بحوالى 40%، وكان عدد الركاب يفوق استيعاب منافستها الأمريكية بما لا يقل عن 110 ركاب، علما بأنها تستطيع استيعاب 868 راكباً كحد أقصى... بنظام رصة «السردين». وكانت الطائرة متميزة في تقنيات جديدة متعددة. تخيل أن طول الأسلاك بداخلها يفوق المسافة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة. ولكن بالرغم من حجمها، كانت بصمتها البيئية منخفضة، فمقدار الضوضاء الناتج عن حركتها كان منخفضاً نسبة إلى حجمها. وكان استهلاكها للوقود منخفضاً مقارنة بالجامبو نسبة إلى الراكب الواحد. وكانت أيضاً من «ذوات النفس الطويل» فبمشيئة الله، تستطيع أن تقطع مسافات هائلة تصل إلى 15700 كيلو متر.. يعني حوالى 40% من المسافة حول الكرة الأرضية عند مستوى خط الاستواء. وكانت تحمل كمية من الوقود تصل الى 330 ألف لتر تقريباً.. ما يعادل كمية الوقود التي تستوعبها 3 آلاف سيارة «لاند كروزر». وبالرغم من حمولتها الضخمة التي تصل الى 84 ألف كيلو غرام، والتي كانت ترفع وزن الطائرة عند الإقلاع الى أكثر من نصف مليون كيلو غرام، كانت تطير بسرعة تصل إلى 85% من سرعة الصوت على ارتفاعات تفوق 40 ألف قدم. وبالرغم أنها «دبة» الطائرات التجارية إن صح التعبير، كانت تتحرك في الجو برشاقة عجيبة بسبب جناحها الضخم التي تبلغ مساحته حوالى 845 متراً مربعاً، وهو الأكبر في عالم الطيران، ومن عجائبه أنه كان جناحاً ليناً يداعب الهواء ليقلل من حدة المطبات الهوائية. ومن أسباب رشاقتها وسلاسة حركتها أيضاً قوة محركاتها الأربعة التي توفر لها أكبر إجمالي قوة دفع في العالم.

وخلال السنوات السبع عشرة الماضية باعت المجموعة الأوروبية 290 طائرة ومنها 123 لطيران الإمارات التي حصلت على حصة الأسد وهي أكبر المستثمرين فيها. وإحدى أهم مميزات هذه الطائرة العملاقة هي قدراتها على حمل أعداد هائلة من البشر بسرعة وفعالية. ولكن سبحان الله أن أحد أهم أسباب عدم نجاحها هو المنافسة الشديدة من نفس منتجات الشركة. وتحديداً، فطائرة الإيرباص 350 الضخمة الأقل حجماً من الـ380 التي أنتجت حديثاً قلبت الموازين وقررت العديد من الشركات أن تجعلها البديل. ومن الغرائب أن هذه الطائرة الأكبر حجماً، ليست الأكبر في حمل البضائع: بالرغم من كل ذلك «الهيلمان». وتحديداً، فطائرة البوينج 777 الأصغر حجماً تتفوق عليها بحوالى 25% في حمل البضائع. وربما كان هذا أيضا من العوامل التي ساهمت في تقاعدها المبكر.

أمنيـــة:

هل يا ترى سنرى المزيد من الاهتمام بهذه الطائرة بعد أن تتوقف شركة إيرباص عن تصنيعها بالكامل عام 2021. علما أن المتوقع أن تتوفر أعدادها في حراج الطائرات المستعملة بأسعار مغرية.. أتمنى أن تنظر بعض شركات الخطوط الجوية المهتمة بالحج والعمرة في الاستفادة من فرص انخفاض سعر هذه الطائرات العملاقة في السنوات القادمة. وقد نراها مستقبلاً من أساسيات النقل الجوي لخدمة الحجاج والمعتمرين بإرادة الله، وهو من وراء القصد.

* كاتب سعودي