جولة: طه طواشي تصوير: عبدالعزيز نورالدين
تعتبر القلاع والحصون من الآثار التاريخية الهامة والشواهد السياحية العسكرية المميزة، كما انها مصدر آثاري مهم للباحثين والمؤرخين عند دراسة وتوضيح الجوانب السياسية والحضارية وما شهدته من احداث تاريخية ومنطقة جازان او ما كان يسمى بالمخلاف السليماني الممتد من الشرجة، الميناء القديم المندثر الى اطراف حلي بن يعقوب، من المناطق الهامة الغنية بآثارها وتاريخها الذي يضرب بجذوره في اعماق التاريخ الا ان ما يواجه الباحث في تاريخ هذه المنطقة في العصور الاسلامية الوسطية قلة المعلومات الامر الذي يثير الاختلاف بين المؤرخين. ومدينة جازان العليا او "درب النجا" الاثرية التي كانت عاصمة للمخلاف السليماني في اوائل القرن السابع الهجري، تعتبر احد المواقع التاريخية المندثرة والتي يدور حولها خلاف بين المؤرخين المكيين واليمنيين والجيزانيين ابتداء من تسميتها وانتهاء بالاحداث التاريخية التي شهدتها. "عكاظ" ومن خلال هذه الحلقات تسلط الضوء على تاريخ هذه المدينة التي تحولت في اوائل القرن السابع الهجري من قرية صغيرة هادئة على ضفاف وادي جازان الى عاصمة "للمخلاف السليماني" لتشهد على المعارك الدامية والصراعات والحروب التي دارت رحاها بين طياتها، كما تبحث في اسباب اختلاف المؤرخين على تسميتها والاحداث التي شهدتها.
تقع مدينة جازان العليا "درب النجا" عاصمة المخلاف السليماني في اوائل القرن السابع الهجري في منطقة جازان تحديداً على بعد 8 كم الى الشمال الشرقي من مدينة ابو عريش والى الشرق من قرية "حاكمة" وتطل على وادي جازان المشهور من الناحية الجنوبية له.
وهي مدينة تاريخية تدل آثارها الماثلة على ما كان لها من ماض عمراني وتاريخ اجتماعي عريق ولا يعرف على وجه التحديد شيء من ماضي تاريخها القديم، سوى انها اتخذت قاعدة من قبل اسرة الامراء الشطوط والامراء القطبيين وقد وصفت بمنعتها وقوة تحصينها وعظمتها حيث كانت تضم سوراً عظيماً ضرب على المدينة وقد تغنى بصلابة وارتفاع هذا السور الشعراء في ذلك الزمن اضافة الى احتوائها على قلعة شهيرة تسمى "الثريا" كان يلجأ اليها امراء المخلاف حين ذلك للاحتماء فيها والنجاة من الغزاة.
التاريخ المدفون
وفي وقتنا الحاضر اندثرت هذه المدينة وطمست تحت التراب وغابات الاراك وقامت على جزء من اطلالها قرية صغيرة يطلق عليها وعلى بقايا المدينة المندثرة قرية "الجدر". اضافة الى تغطيتها الجزء المتبقي منها بغابة من شجر الاراك الذي يمتد على مساحة كبيرة منها ويبدو ان هذه الاشجار كانت تغطيها منذ زمن متقدم حيث يقول استاذ التاريخ الاسلامي المساعد بكلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية والادارية بجامعة الملك خالد بابها الدكتور محمد بن منصور بن حاوي: للأسف ففي وقتنا الحاضر فان السور العظيم الذي كان يتغنى به الشعراء واحتمى فيه الكثير من الامراء لم يبق منه الا اجزاء بسيطة وكذا قلعة الثريا التي انمحت معالمها الآن تماماً. فقد طالتها يد الخراب والاضمحلال واكمل الساكنون بها اليوم ما تبقى منها فنقلوا حجارتها واستخدموها وغيروا معالمها وبنوا على انقاضها واقاموا منازلهم والجزء الاخر غطته اشجار الاراك الضخمة حتى اصبح من الصعوبة بمكان تحديد مكان القلعة تحديداً دقيقاً او حتى تقريبياً. ولم يبق الا بقايا من سورها الحجري الذي سعت وكالة الآثار الى تسوير بعضه.
وكان المؤرخ العقيلي قد اطلع في زيارته عام 1379هـ على ما يظن انه بقايا القلعة فذكر انها تتكون من عدد من المباني، وان جدرانها مطلية بالنورة وان بها غرفاً كانت يومها متماسكة البنيان في بعض جوانبها، ويصل ارتفاع بعضها الى ستة اذرع تقريباً، كما يوجد بداخل القلعة بئر واسعة، واغلب مباني وغرف القلعة مردومة او مدفونة تحت ركام الأتربة والاشجار غير انه لم يذكر مساحتها. ولعل اندثار الكثير من معالمها حال بينه وبين ذلك.
ويضيف د. حاوي: يبدو ان اشجار الاراك غطت جزءاً كبيراً من المدينة منذ زمن بعيد، فصاحب العقيق اليماني في القرن الحادي عشر الهجري، وكذلك البهكلي في القرن الثاني عشر يذكر ان الاراك كان في زمنهما يغطي مساحة كبيرة منها، بحيث لا يمكن تبين البقايا، اللهم الا ركام الحجارة، وبعض اطراف السور، وما يمكن ان يكون في زمن سالف قصور او مبان وحصون من بقايا اساسات غطيت بأشجار الاراك الضخمة كذلك.
وما تزال الايام تظهر من خلال عوامل التعرية الطبيعية شواهد قبور في مقبرتها القديمة تدل على عراقة تاريخ هذه المدينة المندثرة.
اختلاف المؤرخين
يثير مسمى "درب النجا" الذي اطلقه بعض مؤرخي المخلاف السليماني على مدينة جازان العليا بعض الخلافات فيما بينهم حول المسمى ففي وقت تشير فيه بعض المصادر الى ان هذا المسمى كان المقصود به السور العظيم الذي يحيط بالمدينة فيما يذهب البعض الآخر الى ان المسمى كان يقصد به المدينة نفسها او الوادي الذي تقع على ضفافه.
وهنا يقول د. حاوي: على الرغم من ورود اسم جازان في بعض النصوص القليلة القديمة كالهمداني وغيره فإنه من غير الواضح ما اذا كان المقصود بهذا اللفظ اسم الوادي الذي هو بطبيعة الحال اقدم من اسم المدينة ام هو اسم للمدينة نفسها؟.