والغني الذي أتحدث عنه اليوم هو الطاهي الشهير، الشِّف (هوزيه أندريس) أمريكي من أصول إسبانية، تجنس في عام 2013م، قصة حياته، سوف أرصها في سطور، وإن كانت السطور لا تكفي، فهي قصة كتلك الأساطير العبقة بالياسمين، لوحة أكبر من أن يحتويها إطار، مرسومة بكحل وجه يغنيك بعد فقر، يروي عطشك رغم ينبوع حزن السنين في زمن بخيل، رجل مدت الحياة يدها له، فمد يده للجوعى، وجعلهم همه وقضيته، لم يقبل أن يظل متفرجاً على مآسي البشر، وهو قادر على تخفيف معاناتهم، شاهدناه في إعصار (ماريا) في بورتوريكو، لم يكتفِ بإرسال الطعام ومواد الإغاثة، بل تواجد بنفسه، يطبخ الوجبات بنفسه، ويشارك الآخرين في توزيعها، رجل بمفرده أكثر من جبل من ذهب، رجل فيه شيء من العقل، شيء من القلب، شيء من الحكمة، شيء من الجنون، معاند للريح كثور إسباني تشعله خرقة حمراء، عندما سأله مذيع فوكس نيوز، بعد أن قام بمواجهة موقف (ترمب) من الهجرة والمهاجرين، وذلك بانسحابه من استكمال افتتاح مطعم فاخر في سلسلة مطاعمه الشهيرة، في فندق (ترمب) بواشنطن، وخسر ما خسر من أموال، من أجل عدم التراجع عن مبادئه وموقفه، قائلاً له (ألم تفكر في الخسارة وأنت تقدم على هذا الانسحاب؟) ليجيبه (هوزيه أندريس): «الحساب صعب ومتعب إن سقطت في وحل الأرقام، الربح الحقيقي لا تحصده دائماً من خلال الأوراق النقدية، بل من المواقف الإنسانية، حين يكون لوجودنا معنى، يدفعنا ذلك إلى إثبات وجودنا، ونتيجة تحديد المعنى تقرر الهدف والغايات، فالأحاسيس والمشاعر، هي المهمة، الربح والخسارة يأتيان لاحقاً»! هذا الطاهي الشهير، والرائد أيضاً في التوعية الغذائية، والذي ربط الطبخ بالصحة، والاهتمام بالبيئة، جعل قضيته الأولى مكافحة الجوع في العالم، والثانية نشر الوعي الغذائي الصحي، تشاهده وهو يتجه إلى أماكن الفقراء منتشياً، كصبي يذهب إلى الموعد الأول لغرامه الأول، وبنفس الحماس تجده يقف منتصباً، يحاضر في جامعة جورج واشنطن بالعاصمة الأمريكية، عن دور الأكلات في تشكيل الحضارات، اختارته مجلة التايم الأمريكية، كواحد من المائة الأكثر تأثيراً ونفوذاً في العالم، كانت بداية حكايته كمهاجر، ككل بداية تحمل أحلاماً جريئة تمنح الحياة في مكان، حيث ماتت الحياة في مكان آخر، غير أن قصة نجاحه وشهرته تعطي لنا أمثلة حاضرة لما يمكن فعله بالنجاح والمال والشهرة، فقد أكد (هوزيه أندريس) أن لكل واحد منا مهمة سامية وجد من أجلها، وأنه ليس كل وجود بشري، تصدق عليه كلمة وجود، فالمعنى أعمق من ذلك بكثير، فالحياة الهامشية أو شبه الحياة والتي يعبدها الأغلبية، يستطيع أي فرد موجود على هذا الكوكب عيشها، هناك غايات ورغبات، تدفعنا هذه الحياة لإثبات وجودنا، فالحياة، دفع واندفاع، وشراسة عارمة، وأخرى ناعمة، وقطار بشري ينحرف عن قضبانه فيوزع الأموال التي ورثها والتي لم يبذل أي مجهود في تحقيقها على الأصدقاء ويخص أحدهم باللكزس، وآخر ببنتلي، ويسجل ذلك على الإنستغرام كحدث جلل، وآخر يشنق نفسه بظفائر حبل غسيل، استكمالاً لمتطلبات لعبة (الحوت الأزرق)، وتاجر بهائم يقيم فرحاً عارماً لولادة ناقة، وما أكثر دوافع الحياة، على قول زوربا اليوناني الحكيم الشعبي والأرستقراطي الراقص!

* كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com