كان لافتاً للنظر حجم المراسلات التي تتم بين البلديات والوزارة لدرجة يخيل لك أن البلديات تحولت إلى محطة صادر ووارد بين المواطن والوزارة في مسائل شتى، وقد لمست أبعاد هذه المركزية بنفسي من خلال قضايا ومعاملات كثيرة كانت لا تحتاج كل هذه الدورة الطويلة من محطات اتخاذ القرار، وهذا ما عطل البلديات عن أدائها وفي نفس الوقت رفع عنها الحرج في تأخير معاملات المواطنين، ومن ناحية أخرى أشغل الوزارة في قضايا وتفاصيل إجرائية فردية لا طائل من وراء الاستمرار فيها، وفي اعتقادي أنه لو قامت الوزارة بتكليف مكتب مستقل لقياس متوسط الوقت الذي تستغرقه هذه المعاملات وعدد صناع القرار الذين يضعون بصماتهم عليها بشكل أو بآخر ومتوسط الدورة الورقية التي تحتاجها كل معاملة والجهد الضائع المصاحب لها لذهلت من النتائج التي سوف تتحصل عليها.

استئجار أرض من البلديات لإقامة نشاط تجاري مثلاً يحتاج إلى جملة من المكاتبات مع الوزارة، فالمخطط يحتاج إلى اعتماد من الوزارة، وتغيير النشاط يحتاج إلى إذن وطرحه في مزاد إلى إذن ثالث والترسية إلى إذن رابع وهكذا، فما بالك وأنت تتحدث عن المشاريع والقضايا الكبرى، وبالتالي انشغلت الوزارة عن عملها الأساسي المتمثل في التخطيط وتطوير آليات العمل البلدي ومراجعة الأنظمة وحوكمة البلديات ووضع مؤشرات لقياس الأداء، وأخذت بدلاً عنها بعض أعمال البلديات التي وضع معالي الوزير الدكتور ماجد القصبي حداً لها خلال فترة قصيرة من توليه هرم سلطتها وأعاد هذه الصلاحيات إلى الجهات التي يفترض أن تمارسها وتحاسب عليها إن هي أخطأت، ولكي تتفرغ الوزارة للقيام بأدوار أخرى أهم وأولى تتعلق بالنهوض بالعمل البلدي ككل من خلال استراتيجيات لا يتسع المجال لذكرها.

إعادة رسم خطوط التماس المتداخلة التي أضاعت فكرة التقييم والمحاسبة بعد أن دخلت الوزارة على خط الأداء التضامني مع البلديات في عملية اتخاذ القرار عن بعد، لا تعطي ثقة لهذه الأجهزة الهامة فحسب، بل سوف تسهم قطعاً في فتح كوّة كبيرة في أزمة الثقة المستحكمة بين الوزارة والبلديات على مدى نصف قرن.