الحياة ساحة معارك وللمعارك فرسانها وأبطالها. ومن أهم ساحات المعارك التي قد يواجهها الإنسان في حياته، هي ساحة المرض. ولا يوجد مرض يثير القلق والخوف مثل السرطان. ولعل «أشهر» أنواع السرطانات وأكثرها تعرضا لحملات التوعية والتوجيه هو سرطان الثدي نظرا لانتشار أخبار إصابة العديد من المشاهير به، وتحديدا النساء الناجحات والبارزات في مجالهن (بالرغم من وجود 10% من المصابين من الرجال بسرطان الثدي)، إلا أن المرض يحمل الطابع الأنثوي، وتم تخصيص له «الربطة» ذات اللون الزهري للتعريف به، وبسبب هذه «الأخبار» والتوعية حصلت حملات التبرع لصالح الأبحاث والدراسات والأدوية والتثقيف والكشف المبكر لسرطان الثدي مبالغ هائلة وعظيمة. وعلى الصعيد السعودي كان لهذا المرض واجهة وسفيرة فوق العادة، شخصية محترمة وناجحة وراقية وطبيبة، نالت من المجد والشهرة الكثير، وهي الدكتورة سامية العمودي، التي أصيبت بالمرض، واجهته وواجهت تبعاته بكل شجاعة، ودونت كل تفاصيل رحلتها بأفراحها وآلامها في كتاب جميل وشيق وممتع بعنوان «مذكرات امرأة سعودية»، ولم تكتف بذلك، فهي مؤسس ورئيس التمكين الصحي والحقوق الصحية في كلية الطب في جامعة الملك عبدالعزيز والمشرفة على الكرسي العلمي لأبحاث سرطان الثدي في الجامعة نفسها، وهي المؤسس والمدير التنفيذي لمركز الشيخ محمد حسن العمودي للتميز في الرعاية الصحية لمرض سرطان الثدي. حصلت على جائزة وزارة الخارجية الأمريكية كواحدة من أشجع 10 سيدات في العالم، وذلك في عام 2017. لقد ساهمت بمفردها في رفع الوعي الصحي لمرضى سرطان الثدي قبل وبعد الإصابة به، وأصبحت الواجهة المشرقة بالأمل لمرض خبيث. والرجال الذين يعانون من سرطان يخصهم وحدهم، وهو سرطان البروستاتا الذي انتشرت الإصابة به بشكل كبير، ولكنه لا يلقى نفس الاهتمام مثل سرطان الثدي. والنساء «تجاوزن» حساسية الحديث عن المرض واستطاعوا فك عقدة ربط المرض بالأنوثة ورمز الثدي المعنوي بالنسبة للمرأة، بقي على الرجال أن يخلصوا من عقدة الحديث عن البروستاتا وربطها بالفحولة والرجولة. وفي أمريكا لم يستطيعوا تجميع مبالغ محترمة للأبحاث لصالح سرطان البروستاتا، إلا حينما أعلنت شخصيات مشهورة مثل السيناتور روبيرت دول والجنرال نورمان شوارزكوف عن إصابتهم بالمرض. وفي السعودية مع ازدياد الأرقام وسط الرجال بالإصابة بسرطان البروستاتا لم يحتج الرجال إلى أحد بينهم بشخصية وشجاعة وعقل الدكتورة سامية العمودي، لينشر تجربته مع المرض ويكسر حاجز القلق والخوف والخجل من الكشف المبكر حتى يزيد من الاهتمام بالمرض. عالميا خصص شهر نوفمبر شعار «الشوارب» الكثيفة للتوعية بسرطان البروستاتا، إلا أننا بحاجة لسفير محلي يزيد الوعي في المجتمع لأهمية ذلك الأمر.

* كاتب سعودي