بهذه الكلمات المخيبة للآمال، ردت علي تلك السيدة التي اتصلت بي قبل أشهر وهي تبكي وتنوح بعد أن تعرضت للضرب المبرح على يد زوجها المتسلط، كانت تطلب المشورة لإيقاف نزيف اليأس والإحباط الذي يعتريها أكثر من نزيف الدم من أنفها وكاحلها، لكنني كلما أشرت عليها بإجراء يتوجب عليها اتخاذه، ردت بكل برود: هه سويته يا أستاذ بالحالات السابقة لكن ما نفع معه، اتصلت بأكثر من رقم لتلقي البلاغات، مرة يقولوا ماهو شغلنا، ومرة طلبوه وخذوا عليه تعهد وطلع، ليعود إلى البيت منتصراً وأكثر جبروتا مما كان عليه، فيما أعود أنا وقد نسيت آلامي الجسدية وأرقتني آلامي النفسية بفقداني الرغبة بالحياة!

في الحقيقة لا يوجد في النظام عقوبة اسمها تعهد، فمن سن هذا الإجراء الذي يميع قضايا العنف والتحرش ويحيلها لسوء تفاهم بسيط، ينتصر فيها المعتدي، في حين يجر المعتدى عليه أذيال الهزيمة، وكأننا أمام كائن مفترس من سلالة نادرة ومن واجبنا توفير الحماية له لا منه!

تمر الأنظمة التي تتضمن إجراءات صارمة، بسلسلة من الإجراءات التنظيمية بداية بصياغتها من اللجنة الاستشارية ومروراً بالتصويت عليها في مجلس الشورى وانتهاء بإقرارها من مجلس الوزراء وصدور أمر سامٍ فيها، تمر بكل هذه الخطوات وقد تأخذ سنوات من اقتراحها لصدورها، ثم يأتي موظف بجرة قلم يمحو كل ذلك ويقدح من رأسه إجراء التعهد اللازم على المذكور، مع أنه ليس من اختصاصه الفصل بالشكوى وكل ما يجب عليه الوقوف على الحالة وسماع أقوال الطرفين وإحالتها للجهات المختصة بالتحقيق والمحاكمة للفصل فيها.

أنا لا أنكر أن الزوجة أو البنت أو حتى الطفل قد يجد نفسه محاطاً بكثير من الضغوط الاجتماعية التي تمارس عليه للتنازل عن الشكوى، وهنا يجب السير بالإجراءات النظامية بكل صرامة، وإذا وصلت القضية للمحكمة الجزائية يمكن لناظر القضية أن يخير المعتدى عليه بين السير أو التنازل بالحق الخاص حفاظاً على أواصر القرابة، لكنه يجب بالمقابل أن يطبق على المعتدي العقوبة المنصوص عليها بالحق العام، وأنا لا أقول سقفها الأعلى بل الحد الأدنى، المهم أن لا يقول المعتدي للمعتدى عليه حين يهدده بالشكوى: أعلى ما بخيلك اركبه!

دفاعنا عن الجهات المعنية والوطن تجاه الفتيات الهاربات وغيرهن، لا يعني أن نغمض أعيننا ونغض الطرف عن مكامن الخلل الإجرائي لدينا، لكننا اعتدنا بأن نلوم من يخطأ من أبنائنا بعد أن تهدأ العاصفة ونعود إلى البيت حتى لا يشمت فينا المغرضون أو يتصيدون أخطاءنا.

على الجهة المختصة أن لا تنتظر الهاشتاقات في مواقع التواصل لتتحرك، بل يجب عليها أن تتحرك من أول اتصال على رقم البلاغات المعلنة، عليها أن تطبق أنظمة حماية الطفل والحماية من الإيذاء ومكافحة التحرش بكل صرامة سواء على الشاب أو (الثمانيني) على الشخص العادي أو المشهور على البلطجي أو الواصل، عليها أن تفعّل العقوبات ودور الإيواء لمدة ثلاثة أيام إلى شهرين وعدم إعادة المعتدى عليه لمنزله إلا بعد ضمان عدم تكرار الحالة، عليها أن تقوم بكل ذلك، حتى لا يتعرض المعتدى عليه (لبكس التعهد) بين عينيه المتورمة من الضرب، فخيبة الأمل التي لحقت به أشد عنفاً مما أصابه ومن وجهها له بجرة قلم يعد أكثر عدواناً من المعتدي الأصلي!