لم تكن (جميلة) اسماً فقط، بل كانت تجمع كل مواصفات ومفردات الجمال في القول والفعل والسلوك، ومعظم نساء القرية يلهجن بالدعاء على أبيها لأنه زوّجها (مبخوت) الكفيف، مع أنها تستاهل يكون أخذها أحد أعيان القرية.

كان (بخيت) فقيه القرية شقيق مبخوت الأعمى، وبرغم أنه كثير الصلاة والصوم لكنه لا يتورع عن الغيبة والنميمة، وكان أكثر الجماعة حسداً لأخيه على زوجته، وبما فيه من خبث يغمز ويلمز ليشككه فيها، ويردد عليه كلما لقيه «يقول جمعان شفت البندقة في ايد الأعمى». فيما كلما مازحتها إحداهن وقالت لها «وش غدى بك تأخذين الأعمى»؟ ردّت: والله أنه خير من عشرة مبصرين، وتضيف ما أعمى إلا أعمى القلب، وإذا سمع ردّها علّق: «ما عليك من اللعث ذولا يا جميلة يحسدوني عليك وما دروا أن ربي لا يجمع بين عسرين».

سألته: وش في الغرفة الخارجية؟ أجاب: قراشيع وعدة البلاد مصلبة ولومة وعداد البير، قالت: بابيعها، قال: تكفين لا تشرهيني من جماعتي، فقالت البلاد ما نقدر عليها نعطيها خِبْر لمن يزرعها ونفتح دكان في الغرفة، هبطت مع مبخوت وفي معصبها خمسين ريالا وصدرت بما يعبي خرجين من بساكيت وعصاير وأسفنيك ومقشات وأمشاط وفلايات، وبخاخات فليت، وسم فيران وصابون، ونجحت جميلة في البيع والشراء وحققت مكاسب، وتطورت تجارتها إلى ملابس وعطور وأوان. نغنغ الأعمى في الدراهم، وامتلأ البيت أولاد وبنات كلهم تربوا على العمل والإنتاج، وكانت حريصة على الحساب وتدقق إلا على (بخيت) وعياله توفر لهم ما يحتاجون دون مقابل، ولما علمت أنه يتلحّقها بالكلام، قلبت عليه، وذات صباح أرسل لها ابنه (بخات) فقال يا عمة: آبي يسلم عليك ويقول هبي لي وزنة سكر وتلقيمة شاهي وعلبة دخان أبو جنيه.

قالت: افلح قل ميده يعطيك الدراهم إن كان وده بالأغراض، عوّد بخات للبيت ونقل لأبيه ما سمع من عمته، فالتقط مشعابه ونزل من درج ضيّق فزحلقت به الحذيان، وخبط على وركه فصاح من الألم، ونذّر بنفسه وبولده وبأخيه، وصل عندها منفعلا، وقال: وشبك تغيرتي يا جميلة وما عاد تفكين في العلم، ما كني حماك، ما كنتِ كل مرة تعطينا بلاش، قالت ما عاد فيه بلاش، ما بلاش إلا حمى الفراش، علمي وسلامتكم.