قرأت عن فرضية ترتكز على دور المبدعين في المجتمعات كعلماء وباحثين ومفكرين ومثقفين وكيف تنطلق أفكارهم الإبداعية بتباطؤ شديد في محيطهم الاجتماعي كونهم نسبة ضئيلة لا تشكل أكثر من 2% من المجتمع تتبنى أفكارهم شريحة لا تتجاوز 12% وترفضها شريحة تتجاوز الـ60%، ثم لا تلبث أن تتراجع نسبة الرافضين وتتضاعف نسبة المعتنقين حتى تنعكس النسب تدريجياً مع انتشار الفكرة الإبداعية، وخلال هذه الفترة -بين محاربة الفكرة واعتناقها- يمر المبدع بمراحل من العذاب والأذى في سبيل إخراج فكرته من ناحية وتمريرها في شرائح المجتمعات المتكلسة الرافضة من ناحية آخرى، وهذا هو حال المبدعين في كل مجتمع إنساني أو حضارة، ولكن الشذوذ في هذه الفرضية هو تقبل الأفكار ومحاربة أصحابها، وهذا ما نتفرد به حالياً كوننا مجتمعا بدأ بقبول الكثير من المتغيرات والأفكار ولكنه ما زال يحارب عرابيها من المثقفين والمفكرين والكتاب بل ويهلل البعض ويكبر ويحتفي حين يمسهم مرض أو ظرف من الأقدار الطارئة.

نعلم جيداً أن من يحارب فئة المثقفين هم شريحة اجتماعية لم تتخلص بعد من تعبئة الحرس القديم للتطرف، وهي ليست كل المجتمع على كل حال ولكن المثقف بالعموم ثروة وطنية يجب حمايتها وتكريمها، ولا أقصد حمايتهم من النقد بل من التجريح والقذف والتطاول والأذى وكل ما يعيق نتاجهم الأدبي وحراكهم التنويري، فما يحدث اليوم من تأجيج خفي ضد المثقف ليس إلا هدرا متعمدا لمخزوننا الفكري والأدبي عن طريق إشغال المفكرين والكتاب بتوافه المعارك والهجمات الممنهجة.

نعيش اليوم تحولات كبرى، المثقف جزء منها وداعم ومحرك قوي لها، ورغم ذلك لا يزال يعاني من التنمر والبذاءات في مواقع التواصل، نعم تغيرنا وولت تلك الحقبة التي أوذي فيها الحداثيون وأحرقت منصاتهم وخربت أمسياتهم ونواديهم الأدبية وعبئ المجتمع ضدهم كونهم زنادقة فاسقين ألفت الكتب احتراباً وصداً لانتشار فكرهم وصكت الكاسيتات المؤججة ضدهم ووزعت المنشورات إباحة لقذفهم وعزلهم وأحياناً إهداراً لدمائهم، نعم ولت من غير رجعة ولكن فلول أولئك الغلاة الأشرار ما زالت تتنفس بزفرات الغل فالحرس القديم له حرس، والحرس لهم أتباع حتى لو تغيروا ظاهرياً وحتى لو لبسوا جلود الخراف.

وللحديث عن هؤلاء بقية وبتوسع أكثر...!

* كاتبة سعودية

hailahabdulah20@

lolo_abd70@hotmail.com