من البديهي المتوقع أن تكتسب أي مؤسسة أو شركة خبرة متراكمة بفعل الزمن والتجارب، بما يكون عاصمًا لها من الوقوع في أخطاء البدايات الساذجة، ومنزلقات التقصير غير الخليق بها وبتاريخها، ويرتفع هذا الرهان إلى أقصى احتمالاته، إذا بلغت المؤسسة أو الجهة المعنية «العمر الماسي» – 75 عامًا، فحين إذن لا يمكن تفسير أي قصور فيها إلا أنه ضرب من الإهمال والتقصير، ينبئ عن عدم احترام لها ولتاريخها ولمن يتعامل معها.

في خاطري تحتشد مواقف متعددة بلون العتب والغضب والانفعال والقهر والأسف، دوافعها تصرفات لا مبرر لها تصدر من قبل «الخطوط السعودية»؛ ناقلنا الوطني، الذي بدأ بطائرة واحدة هدية من الرئيس الأمريكي روزفلت إلى «المؤسس» - رحمه الله - في العام 1365هـ، لتمتلك بعدها أسطولاً ضخمًا من الطائرات العملاقة تجوب الكرة الأرضية، كما كانت السباقة إلى عالم الخصخصة، بما يتيح لها فرصة التحول إلى مرحلة مميزة وعلامة فارقة في تاريخ النقل الجوي على مستوى العالم.

رغم مرور السنوات وتحقيق الكثير من الخطوات والحصول على أعلى الشهادات بدعم مشهود، لتكون مؤسسة وطنية تدار بأيدٍ سعودية متمكنة في أغلب عملياتها الإدارية والفنية واللوجستية. حلم وظيفي يراود شباب الوطن. نسمع بين الحين والآخر أصواتا تجأر بالشكوى، المرة من أفعال الخطوط السعودية، لا تتناسب واسمها الكبير، أخطاء ساذجة وبسيطة، ومن السهل تجنبها بالتأكيد، عندما يشتكي منها المواطن فالغاية حتمًا ليست التشهير، بل التنبيه لمواطن الخلل بغية إصلاحه، وأن يلقى الضوء على ما بقي من الطريق لا على ما فات منه، فالمستقبل هو الذي يشغل بال الناس، وهو الذي ينصب عليه اهتمامهم وقلقهم، خاصة أننا نعيش عصرًا تحوليًا جديدًا، رسم خارطته الأمير محمد بن سلمان بطموح الشباب، ورؤية الكبار وخبرتهم، وبنظرة إيجابية متفائلة تحمل الأمل لغد مشرق واعد، لا مكان للمتقاعسين فيه، برؤية وطنية كشفت الغمة، وأنارت للوطن طريقًا مفعمًا بالخير والأمل يتناسب وحجم الحلم الذي يراود كل من يعيش على أرضه.

مشكلتي مع الخطوط ليست في رحلة تأخرت دون سابق إنذار، أو مقعد محجوز تغير في آخر اللحظات، أو تفرقت المقاعد بين العائلة الواحدة فوجد كل شخص نفسه في مكان، أو شكوى من كرسي معطل أو سماعة لا تعمل. مشكلتي أنني عجزت عن إرجاع تذكرة سفر اشتريتها نقدًا، واضطررت إلى إلغاء سفري، والسعي لاسترداد قيمتها، وهنا بدأت المعاناة. دخلت على موقع «السعودية» الإلكتروني، فلم يقبل عملية الإلغاء لسبب لا أعلمه، اتصلت على الخطوط السعودية تلفونيًا، وبعد انتظار ممل رد الموظف، فشرحت له المسألة، فطلب مني الذهاب إلى مكتب المطار لإتمام العملية، وبعد (مناحلة) طويلة اعتذر وحولني إلى مكتب الخالدية، فوجدته مغلقًا، علمت من بعضهم أنه سيفتح بعد صلاة الجمعة، ترددت عليه عدة مرات ولا يزال مغلقًا، أطل يوم السبت؛ موعد سفري، فذهبت صباحًا إلى مكتب الخالدية وانتظرت. أتى موظف يغالب النوم؛ والنوم يطارده (فاليوم يوم إجازة)، وقفنا في طابور، تضخم الطابور أسقط في يد موظف السعودية الوحيد، تبرع رجل الأمن لمساعدته، فجلس إلى جانبه يتسلم الشكاوى، ويجيب على التساؤلات. وقفت أستمع إلى مطالب الواقفين وأغلبها مطالب وأسئلة واستفسارات يجدها الحيران على موقع السعودية، هذا إن كان الموقع مفعّلاً ومتكاملاً ويؤدي الغرض من إنشائه، كان موظف السعودية يطلب من البعض أن يأتي غدًا فاليوم إجازة، سأله أحدهم إذا كان اليوم إجازة فلماذا أنت هنا؟ كانت إجاباته مستعجلة وكأنه يريد أن يتخلص من الموقف الذي وضعته فيه الخطوط. سيدات قدمن من خارج جده طلب منهن الانتظار ليوم الأحد تركهن دون أن يسمع احتجاجهن وتذمرهن.

بعد وقت طويل كنت في حاجته طلب مني طلبات موجودة أصلاً أمامه على الشاشة.. غادرت مكتب الخطوط وأنا في حيرة من أمري. أهذا حال مؤسسة وطنية تتعامل مع كل دول الكرة الأرضية لا يستطيع موقعها الإلكتروني حل مشاكل راكب والإجابة على أسئلته بدلاً من إضاعة الوقت والجهد في طوابير طويلة، وفي منظر اختفى في أغلب مؤسسات الدولة التي استطاعت إنزال رؤية 2030 إلى أرض الواقع..!

هذه التجربة التي مرت بي وبغيري مع الخطوط ليست الأولى؛ وأرجو أن تكون الأخيرة، فعليها أن تعلم بأن هناك واجبًا كبيرًا يتطلب منها الخروج بالرؤية من محضن التنظير إلى براح الفعل الملموس، وأن تهيئ نفسها لواقع جديد، وتغيرات جذرية لمواكبة التحول الوطني، وما تسعى إليه الدولة في تشكيل الوعي المجتمعي المتسق مع روح العصر، وإحدى مظاهره التخلص من المعاملات الورقية، وتعبئة الاستمارات، واللف والدوران بين المكاتب وأجهزة الدولة لإنهاء معاملة قد لا تستغرق ضغطة زر واحدة. في استطلاع لشركة (أفايا) الأمريكية المتخصصة في تقنيات خدمات العملاء اتضح أن ٨٥ % من المستهلكين السعوديين يفضلون تلقي الإجابات عن استفساراتهم بتقنيات الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن السعودية مقدمة على تحدٍ يتمثل في التغير الرقمي بالكامل.

فالخطوط السعودية في سوق تنافس فيه مثيلاتها، وحق لها أن تجد مكانًا مميزًا بين الشركات والمؤسسات الناقلة على مستوى العالم.. فهل تستطيع؟

* كاتب سعودي