-A +A
عيسى الحليان
تحدثت في المقال السابق عن الفجوة بين الأجور العامة، لكن ما هو أهم منها الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فما أسباب هذه الفجوة، وما نسبتها من مجتمع إلى آخر، وما وسائل قياسها، وأين تقع هذه المسألة من فكرة العدل والمساواة التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ! بطبيعة الحال فإن العدالة تختلف عن المساواة، وكلاهما أمر نسبي على مر التاريخ البشري، لكن التفاوت في المجتمعات يكمن في حجم هذه الفجوة وأسبابها ومكوناتها الاجتماعية !

يمكن أن تحقق المساواة في مبدأ تكافؤ الفرص، لكن لا يمكن أن تحققها في النتائج، فكل فرد يختلف بطبيعة الحال عن الآخر.


معامل «جيني» من أكثر مقاييس عدم المساواة انتشاراً في العالم، ويتراوح من الناحية النظرية بين صفر عندما يحصل كل فرد بالمجتمع على نفس المقدار من الدخل 100، أو 1 عندما يحصل فرد واحد في المجتمع على الدخل كله، ولذلك فإن هذه النسبة تتراوح بين الأغنياء الذين يعملون على تراكم الثروة والفقراء الذين بالكاد يحصلون على قوت يومهم، وهو ما عبر عنه «أرثر أكون» في كتابه الشهير عام 1975 «المساواة والكفاءة: المفاضلة الكبرى»، والذي ذهب من خلاله إلى أن المساواة يمكن أن تقلل من الكفاءة الاقتصادية في المجتمع لأن المدخرات الاستثمارية ورؤوس الأموال هي التي تصنع المجتمعات الغنية، في حين أن نظرية أخرى يشتد أوارها حالياً تخالف أفكار «أكون»، ومؤداها أن عدم المساواة يضر بالنمو العام، وقد يكون من أسباب هذا التحول تقدم وتعاظم أهمية العنصر البشري في الإنتاج، في وقت أصبح رأس المال البشري أكثر أهمية وندرة من الآلة أو رأس المال بعد أن غدا هو المنتج الحقيقي لهما في اقتصاد المعرفة، وبالتالي تراجعت بعض النظريات التي انحازت لرأس المال في وقت من الأوقات، وحل محلها نظريات جديدة تقوم على تعظيم الاقتصاد الكلي، فضلاً عن الإفرازات الاجتماعية التي ترتبت على الفجوة بين الأغنياء والفقراء، والتي بدأت تظهر آثارها على هيئة حركات ومقولات تجتاح العالم مثل «أغلقوا وول ستريت»، وحركة «أصحاب السترات الصفراء»، وسيادة مقولة أن الإصلاح الاقتصادي لن يتحقق إلا إذا شمل الجميع.

عفواً آدم سميث !