البطالة ليست ظاهرة محلية فقط، والموارد الطبيعية الوطنية ليست للاستهلاك المحلي فحسب. وليس صحيحا أن العلاقة دائما عكسية في الدول بين الموارد الطبيعية والموارد البشرية، فعندما ترتفع نوعية وكمية الموارد الطبيعية، لا يعني هذا أبدا أن تكون الموارد البشرية في انحدار وتدهور، ولا يمكن ولا يجب تعميم حالات بعض الدول فيما مضى، والتي تكون فيها الموارد الطبيعية عالية كميا ونوعيا، فتواجه انحداراً وتدهوراً في نوعية مواردها البشرية.

وحتى لو كان ذلك صحيحا في بعض الحالات، فإن الوقت الراهن لا يحتمل هذا الهدر في القوى العاملة ولا يحتمل الإبقاء على الأورام الثقافية الاجتماعية التي تناصب العمل العداء والرفض والمقاومة ولا يجوز التأخير في معالجة الخلل سواء كان هذا الخلل في النظام الاقتصادي أو تدهورا في ثقافة العمل الاجتماعية وسوءا في مخرجات التعليم والتدريب والتأهيل في مؤسسات التعليم والتدريب.

لا توجد تنمية شاملة تقوم بها الدولة بمعزل عن المواطن، لا بد من التفكير العميق بإقامة شراكة حقيقية ودائمة مع المواطن في كل مشروعات التنمية. إن المواطن هو قطب الرحى في عمليات التنمية سواء نظرنا إلى المواطن من زاوية حل مشكلة البطالة اجتماعيا واقتصاديا أو من زاوية إحداث قيمة اجتماعية للعمل والعاملين وتحسين إنتاجية القوى العاملة السعودية في القطاعين العام والتجاري، أو من زاوية تحويل الموارد الطبيعية إلى صناعات تحويلية وخلق ثقافة صناعية في المجتمعات السعودية تقوم على أنقاض الثقافة الزراعية وعلى ثقافة إنتاج وتصدير المواد الخام دون تدخل صناعي. أو حتى من زاوية المنافسة الاقتصادية العالمية وفتح أسواق جديدة للمنتجات الوطنية.

يجب أن يستوعب النظام الاقتصادي في المملكة كافة أفراد المجتمع القادرين جسديا وذهنيا ونفسيا على العمل والعطاء والخلق والابتكار، وإذا تعذر ذلك فإن المشكلة إما أن تكون في ضيق الدائرة التي يعمل من خلالها هذا النظام الاقتصادي والمالي أو أن السبب ناتج عن تدني ثقافة العمل بين أفراد المجتمع أو أن المشكلة تكمن في الضعف والتردي في كمية ونوعية وجودة البرامج التي تتبناها مؤسسات التدريب وبعض مؤسسات التعليم والتأهيل. وقد تكون المشكلة بسبب كل أضلاع هذا المثلث. وهذا الموضوع يحتاج إلى كثير من الدراسات المركبة والمعمقة، لأن ثقافة العمل على سبيل المثال تختلف من منطقة إلى منطقة ومن جيل إلى جيل.

من الإنصاف القول إن هناك جهوداً حكومية وغير حكومية تُبذل في أكثر من مكان لتمكين الشباب من بعض الأعمال، إضافة إلى الجهود المبذولة في محاولة خلق فرص عمل، لكنها تبقى جهوداً علاجية مؤقتة ومحدودة ومبعثرة وتكاد تنحصر في الجراحة الموضعية لجسم المشكلة ولا تتعداها إلى جذور المشكلة.

يجب أن يتم التعامل مع الموارد البشرية كهدف إستراتيجي ضمن رؤية المملكة 2030، ليس لحل مشكلة البطالة فحسب وهذا مهم بطبيعة الحال، ولكن استجابة طبيعية لإرهاصات تحول المملكة إلى العصر الصناعي والذي دشنه سمو ولي العهد قبل أيام معلنا عن المرحلة الأولى من برنامج تطوير الصناعات الوطنية والخدمات اللوجستية حيث يهدف إلى تحويل المملكة إلى قوة صناعية ومنصة عالمية للخدمات اللوجستية وهذا يعني ضمنيا التدرج في الحيلولة دون تصدير المملكة المواد الخام للخارج من الموارد الطبيعية اعتماداً على التصنيع المحلي، والاعتماد على البنية الصناعية المحلية من خلال تهيئة وتأهيل الموارد البشرية الوطنية وتطوير ثقافة العمل المجتمعية.

إن جعل الموارد البشرية هدفاً وطنياً إستراتيجياً، يعني إيجاد جسم إداراي مركزي في الجهاز الحكومي يعمل على وضع إستراتيجية وطنية موحدة للموارد البشرية بصرف النظر عما إذا كان الموارد البشرية للقطاع الحكومي أو غير الحكومي. فمن الضروري أن يصبح تحت مسؤولية هذا الجهاز المركزي كل المهام التي تقوم بها وزارة الخدمة المدنية.

يمكن أن يكون هذا الجهاز المقترح وزارة أو هيئة حكومية للموارد البشرية وذلك لأهمية أن يكون جهازا مركزيا وشاملا للموارد البشرية في كل القطاعات الحكومية وغير الحكومية، ويفضل أن يكون هيئةً وذلك مراعاةً للجانب العملي في ردم الهوة بين ثقافة العمل للقطاع العام وثقافة العمل للقطاع الخاص، ومن المهم أن تضم هذه الهيئة تحت كنفها مهام وزارة الخدمة المدنية ومهام وزارة العمل دون وزارة التنمية الاجتماعية، ويقع تحت إشراف هذه الهيئة جميع ما يتعلق بالتدريب والتأهيل بما في ذلك مؤسسات التدريب والتأهيل الفني والتقني والمهني، كما يقع تحت مسؤولية هذه الهيئة إيجاد جهاز يتفرغ تماما لإيجاد ورعاية الجمعيات والنقابات المهنية والعمالية وذلك لتطوير ثقافة المهنة وأخلاقيات العمل ومراجعة المهن المنقرضة والمستجدة. يضاف إلى مسؤولية هذه الهيئة المركزية وظيفة أخرى بالغة الأهمية وهي إيجاد بنك من الخبرات الوطنية سواء كانوا على رأس العمل أو غيرهم وتتم تغذيته بكافة الكوادر ذات الخبرة والتجربة والتخصص من مختلف العلوم والآداب والمهن بمن فيهم فئات المتقاعدين. يجب أن يوجد نظام الخبير.

علينا أن نعترف بفشل التعليم الفني والتدريب المهني كميا ونوعيا في المملكة فإذا ما قارنا عدد البرامج التي تقدمها مؤسسة التعليم الفني والتدريب المهني والتقني لا يتجاوز الـ30 برنامجا، مقارنة بما يقدم من البرامج الفنية والتقنية والصناعية في دولة مثل ألمانيا حيث ما يقارب 700 برنامج ندرك جيدا السبب الذي يجعل حوالى 75% من خريجي المدارس الثانوية في ألمانيا لا يذهبون للجامعات، بل إلى هذه البرامج.

* كاتب سعودي