احتفلت محايل عسير في الأيام الماضية بفعالية صدر الكرامة، التي استمرت لعدة أيام تكريما للشهداء الذين قضوا في معركة الكرامة على أرض اليمن، تصديا للمشروع الإيراني ودفاعا عن المشروع العربي.

معركة الحق والضرورة التي تصدت للمشروع الإيراني، الذي مثله الحوثيون في انقلابهم على الشرعية في 21 سبتمبر 2014، وتصديا للفرصة التي كانت متاحة للتداول السلمي للسلطة، الذي حصل بدعم من المبادرة الخليجية، والتي أرادت تجنيب اليمن الدخول في منزلقات الحروب الأهلية.

ثم دعمت المملكة ودول الخليج مؤتمر الحوار الوطني، الذي يصطلح على تسميته من الأشقاء في اليمن بـ«حوار الموفينبيك»، ورغم الصعوبات التي واجهته إلا أنه استمر بالعمل لمدة عشرة أشهر، حتى 25 يناير 2014، وشكل 565 مشاركا في المؤتمر مختلف أطياف المجتمع اليمني بمن فيهم الحوثيون، وكان بالفعل متماهيا مع شعاره «بالحوار نصنع المستقبل».

لكنّ الحوثيين وحسب الأجندة الإيرانية نظروا للمستقبل بشكل مختلف، حيث اختطفوا مدير مكتب رئاسة الجمهورية أحمد عوض بن مبارك، في حي «فج عطّان» جنوبي العاصمة اليمنية صنعاء في يناير 2014، وأبطلوا بكل السبل تفعيل مخرجات الحوار الوطني، أو إقرار دستور جديد توافق عليه اليمنيون، يمثل انتقالها ديموقراطيا حقيقيا من حقبة علي عبدالله صالح، وانتهى بهم الأمر إلى احتلال العاصمة صنعاء وعدة مدن أخرى.

وقد كانت عاصفة الحزم في مارس من عام 2015، آخر الدواء والطريقة الوحيدة لحماية اليمن من أن يختطف إيرانيا، وأن ينتقل من حقبة صالح إلى حقبة أسوأ بكثير، وهذا ما نراه اليوم في كل المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، وكيف تحكم ذهنية العصابات إحراق المعونات الدولية ومصادرة بعضها بما فيها العقاقير الدوائية، وصولا إلى تجنيد الأطفال وزرع الألغام.

وهذا السرد حول المقدمات السياسية السابقة لعاصفة الحزم، يؤكد كيف كانت المملكة حريصة على حقن الدماء بعد ما حصل في عدة دول عربية إبان الربيع العربي، وهو دور طالما قامت به كما رعت اتفاق الطائف، الذي أوقف عقدا ونصفا من الحرب الأهلية في لبنان، ويذكر أيضا بقرار المملكة الإستراتيجي بخوض معركة الكرامة ضمن تحالف عربي لدعم الشرعية، دون الالتفات لأجندات داعمة لإيران آنذاك وعلى رأسها أجندة الولايات المتحدة خلال رئاسة أوباما.

وخلال هذه المعركة بذلت المملكة الكثير، على المستوى السياسي ودعم المباحثات، وعلى المستويين الإنساني والاقتصادي أيضا، لكن أعظم البذل كان ما قدمته المملكة من شهداء، ومن بلدة الكرم محايل عسير، والتي جاد أهلها بالشهداء، بل كنت ترى في أعينهم ضمن ختام فعالية صدر الكرامة، توقهم لتقديم المزيد من الشهداء فداء لتراب الوطن.

والحقيقة أن المملكة لا تخوض فقط معركة عسكرية، بل تخوض معركة «رؤية» تعهدت بتقليل الاعتماد على النفط، وخلق نمو اقتصادي وتنمية شاملة على كافة أرجاء الوطن، ولا يتسع مقال واحد لذكر عدد المشاريع التي دشنت، أو دخلت حيز التنفيذ في العام الماضي على سبيل المثال.

ولهذا تشعر وأنت تنتقل بين مناطق عسير، خاصة حين زرت بللسمر، ورأيت الجبال وكأنها نافذة على السحاب، أن هذه المنطقة ستصبح منطقة جذب سياحية، تمتلك سمات أبرز المدن الأوروبية السياحية، خاصة التي تحتضن مصحات التأهيل والعلاج الطبيعي.

وبالفعل صدر قبل عام الأمر الملكي بإنشاء هيئة عليا لتطوير منطقة عسير، برئاسة سمو أمير منطقة عسير الأمير تركي بن طلال، والتي تخطط لعدد من المشروعات العملاقة، حسب دراسات قامت بها جهات عالمية ومحلية، وتستهدف الهيئة نقل منطقة عسير للمكانة التي تستحقها سياحيا واقتصاديا.

وقد يبدو لمن يتنقل في المنطقة، من مناطق تتجاوز ثلاثة آلاف كيلومتر ارتفاعا عن سطح البحر، نزولا إلى مناطق تهامة، أن هذه الجغرافيا قد تعد تحديا كبيرا لمختلف المشاريع، ولكن من يتحدث مع أهل المنطقة يجد أن لديهم عزيمة، تجعل كل عسير على أهل عسير يسيرا.

رحم الله شهداء الوطن.. وحمى الله جنودنا البواسل على مختلف الجبهات..

* كاتب سعودي

Twitter: @aAltrairi

Email: me@aaltrairi.com