-A +A
محمد الساعد
يقف على مسرح طنطورة يوم غد الجمعة الموسيقار العالمي «يني» قاطعاً مساحة زمنية تزيد على مئة عام هي مسافة التاريخ والذاكرة بينه وبين عائلة «الخواجة يني» اليونانية الأصل التي استوطنت وعاشت في مدينة جدة على مدى أربعة أجيال من الجد المهاجر أوائل القرن التاسع عشر للأب ثم الحفيد يني وابنته، إضافة إلى أبناء عمومتهم الذين قدموا ورحلوا ثم عاد بعضهم على فترات متقطعة.

ربما لا يعرف موسيقارنا المولود في مدينة كالاماتا في اليونان على سواحل البحر المتوسط أن ابن عمومته «الخواجة يني» ولد في جدة ودفن في مقبرة المسيحيين بها، ولكن على سواحل البحر الأحمر هذه المرة، وأنه عاش مع عائلته في حواريها وأزقتها وشرب من مائها المملوح وتربى على أهازيج ومجسات البحر العربية منذ أوائل القرن الماضي، لقد كان واحداً من أهلها وجزءاً من ذاكرتها وشكلها وتجارتها.


بين «يني.. ويني».. دهرٌ من التغيرات والأزمان والأحوال، حق لها أن تُرصد في دراسة اجتماعية تغوص عميقاً تبحث في التحولات الهائلة التي شهدها الحجر والبشر في المملكة في عقود النشوء البريء حتى استطعنا أن نعود إلى ما كنا نعيشه من تسامح وحياة.

فمن هو الخواجة يني الجديد ومن هو الخواجة يني القديم؟

للمصادفة التي لا بد أن تذكر أن أول حفلة أقامها الموسيقار يني كانت في مدينة جدة العام الفائت، لكنها لم تحظَ بتغطية واسعة كما هي حفلته يوم غدٍ، وكأن جدة كما المعتاد هي المحطة الأولى للغرباء، وكأنها أيضاً نقطة الفن وجسر اتصاله بين الشعوب والمهاجرين والحالمين، أليست مدينة الأحلام؟

يصف كاتب السيرة الذاتية للموسيقار يني «ديفد ربنسن» بأنه ذاك الفتى الساحر الذي جعل من الموسيقى غذاء للروح ودواء لأسقام النفس، وهو ممن جعلها دافعاً قوياً للتسامح ونبذاً للعنصرية والتقارب بين الشعوب، فلا غرابة أن يرتسم كل هذا على وجه يني المليء بالبراءة والحب والتفاؤل والتسامح، كما ينقل عن يني: لقد كنت دائماً أركز وبشكل رئيسي على الموسيقى ومهنتي كفنان. ويضيف: الموسيقى هي لغة صريحة بشكل لا يصدق، أنها تتضمن لغة ومنطقاً وتخاطب روحك بشكل مباشر.

على مسرح طنطورة سيلقي يني خطابه الموسيقي نيابة عن البحارة اليونان الذين وجدوا في جدة ذات يوم محطة نهائية للترحال والهجرة والاغتراب وزاروا جدة ورسوا في مينائها وعاش بعضهم بها.

أما الخواجة يني فتعود قصته إلى والد والده الذي كان يعيش في جدة ثم رحل لظرف اجتماعي والاضطراب الذي شهدته جدة في تلك الفترة من تاريخها، وترك ابنه «قستان» الذي امتهن استيراد المواد الغذائية من قبرص واليونان، والتي ورثها منه ابنه يني ذو القامة الفارعة وهو الذي امتلك دكاناً سمي وقتها بمصرف الخواجة يني، وهو اسم شائع كان يطلق على أي محل له بابان في أسواق جدة القديمة، وكان يني يبيع فيه المواد الغذائية والأجبان والزيتون وزيت الزيتون وغيرها مما يطلق عليه الآن النواشف والتي كان يستوردها من اليونان وقبرص، ويقع دكان خواجة يني في بداية شارع قابل أمام السوق الكبير باتجاه سوق الخاسكية.

اليوم يعود الخواجة يني مرة أخرى إلى السعودية ولكن عبر نغمات وموسيقى ابن اليونان الآخر الموسيقار يني، وكأن الزمن توقف أو أبى أن يغادر هذه البقعة من العالم، ليؤكد أن السعودية الجديدة هي باب التسامح وقبول الآخر بثقافاته وألوانه وأشكاله المختلفة التي كدنا نفقدها ذات يوم.

* كاتب سعودي