إن ضمير المجتمع الحي، هو حاصل ضرب ضمائر أفراده وليس حاصل جمعه. أما في المجتمعات غير الحية، فإن حاصل جمع ضمائر أفراده وليس حاصل ضرب تلك الضمائر هو ما يشكل أخلاقيات تلك المجتمعات ويكوِنها.

إن الإخلال بحق من الحقوق هو مساس بالحقوق العامة ككل، فهناك حقوق يعد هضمها وانتقاصها، هضما وانتقاصا ليس لحقوق أصحابها فحسب إنما هو هضم وانتقاص لحقوق المجتمع ككل، ومساس بالضمير المجتمعي العام وترويض لهذا الضمير للاستسلام والقبول المسبق بضياع الواجبات مقابل ضياع الحقوق، بصرف النظر عن السبب والنتيجة في هذه المعادلة.

فهل يجوز لنا كأفراد ومؤسسات أن نتحدث عن الواجبات، دون الحديث عن الحقوق؟ وهل تبدأ الحقوق حيث تنتهي الواجبات أم العكس؟ ولمصلحة من يتم الفصل بين الحقوق والواجبات؟ وهل يجوز تخصيص الحقوق بفئة أو طرف بينما تتخصص فئة أو طرف بالواجبات؟

إن العدالة والإحساس بها هو ما يعيد للمجتمعات الحياة والحيوية، فلابد من تحديث مجتمعاتنا وتطوير مفاهيمها للعدالة في ضوء التحولات الاقتصادية ووفقا لبرنامج التحول الوطني ورؤية المملكة 2030. لا بد لنا من إعادة إنتاج مفاهيم دقيقة ومنصفة في ثقافتنا، فلا يمكن للتحولات الاقتصادية أن تتم بمعزل عن التحولات الثقافية. لا بد لهذه التحولات أن تشمل مراجعة كثير من المفاهيم الحقوقية وأخلاقياتها لكافة فئات المجتمع وإعادة تشكيلها في ثقافة المجتمع العامة. لا يمكن أن تستقيم أخلاقيات المجتمع وقيمه من خلال الإبقاء على بعض التراكمات الرأسية التي تتنكر لحقوق بعض الفئات أو الأشخاص لأسباب جندرية أو قبلية أو مذهبية أو غيرها.

يجب أن تنال المرأة حقوقها كاملةً، ويجب أن يتوقف العبث والاستهتار بقدرات المرأة وعقل المرأة ودور المرأة على صعيد الأسرة والمجتمع، لكنَ حقوق المرأة التي أتحدث عنها يجب أن تكون تحت سقف الأسرة وليس خارجا عنها، لأن هناك أصواتا أصبحت تنادي بتجاوز مفهوم الأسرة. إن المطالبة بأي حقوق تلغي كيان الأسرة وتتجاوز مفهوم الأسرة وفلسفة الأسرة، هي مطالبة بتحويل أفراد المجتمع إلى كائنات مادية بدون مشتركات في الأخلاق والقيم والهوية الثقافية.

هناك نساء يعانين تمييزا بالميراث وهن بحاجة لوقفة جادة ليس فقط من المؤسسة العدلية، ولكن من مؤسسات المجتمع المتخصصة والمعنية والمؤثرة، هذه مسألة لا يكفي فيها التشريعات أو تطبيق التشريعات في المحكمة، لكنها مسألة تتعلق برفع وعي الرجل والمرأة والأسرة ومؤسسات المجتمع، وكل المجتمع.

لا بد من إعادة إنتاج مفاهيم الحقوق والواجبات المادية والمعنوية في ثقافتنا العامة للمجتمع، وذلك استنادا إلى المبادئ الأصلية والأصيلة في مجتمعاتنا العربية المسلمة.

نعم تهمني حقوق الفرد بما فيها حقوق المرأة والرجل في مجتمعنا، لكن يهمني بنفس القدر حقوق الأسرة التي هي أقدم المؤسسات وهي صمام الأمان لأي مجتمع. فلا يجوز أن نقفز على الأسرة أو نتجاوزها، إرضاءً لحقوق الفرد. ولا يمكن أن تترك هذه المسألة رهنا لبعض المنظمات المتطرفة والتي هي في الأساس لا تؤمن بفكرة وفلسفة ودور الأسرة.

هناك سقف يجب ألا نتجاوزه في مناقشة حقوق أي فرد أو أي فئة، أهم سقف هو سقف الأسرة، والسبب أن تعزيز مؤسسة الأسرة ستعصم مجتمعاتنا مما انزلقت إليه بعض المجتمعات من إقرار واعتراف بحقوق الشواذ والمثليين ومن على شاكلتهم.

إن التمادي بالمطالبة ببعض الحقوق على حساب حقوق الأسرة وكيان الأسرة ومفهوم الأسرة وفلسفة الأسرة، سيحملنا حتما مع الوقت إلى الانفتاح على مطالبات محلية وضغوط منظمات دولية لإقرار مطالبات غير سوية.

إن التكامل بين الرجل والمرأة هو ما يجب أن يكون مظلة نقاش حقوق المرأة وليس التنافس بينهما. لقد أصبحت السجالات والجدال الذي تشهده الساحة المحلية بين الرجل والمرأة بدلا من أن تكون حول الرجل والمرأة وعلاقتهما الإيجابية.

أخشى أن هذه البيئة واللغة الموبوءة والمسممة بين الرجل والمرأة، التي تجلَت على خلفية هروب الفتاة السعودية إلى كندا، لن تفضيَ إلى حقوق صحية للرجل والمرأة، فبدلا من أن يكون السقف هو التكامل بين الرجل والمرأة، سيكون السقف هو أن التنافس بين الرجل والمرأة.

إن ما أطالب به هنا لا يتطلب تشريعات أو تطبيق قوانين، بقدر ما يتطلب حواراً وطنياً يشمل جميع فئات المجتمع ويتسع لجميع أفراد الأسرة، حواراً يتم على أسس حضارية ومتعمقة بعلم النفس والعلوم الإنسانية والحضارية، حواراً يأخذ وقته الكافي وفق منهجيات وأساليب محترمة، حواراً يكون بعيداً كل البعد عن الحوار الذي يقوم به مركز الحوار الوطني الذي يعتقد أنه يمارسه.

* كاتب سعودي

Dwaihi@agfund.org