نورة محمد الحقباني
فيما خفتت الحملة المسعورة التي تستهدف المملكة، والتي زادت وتيرتها منذ قضية مقتل المواطن السعودي جمال خاشقجي مطلع أكتوبر من العام الماضي في إسطنبول، بعد الفشل الذريع لمحاولة «تسييس قضية جنائية»، لا تزال تأمل منظمات معادية «شيطنة المملكة»، بتكثيف مزاعم «انتهاك حقوق الإنسان»، والزج بحزمة من الأكاذيب لاعتقادهم أن إستراتيجية مهندس «الدعاية النازية» جوزيف جوبلز (اكذب اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس) قد تفلح في محاولاتهم اليائسة.

وتبدو كل القفزات الإصلاحية التي حققتها المملكة سواء على أداء أجهزتها الرسمية أو على أنظمتها وقوانينها، خلال العامين الماضيين، تحول الدوافع السياسية وعقدة «سعوديفوبيا» التي تطارد تلك المنظمات، دون رؤية واقع «حقوق الإنسان» في المملكة.

ورغم عدم استنادها لأدلة محسوسة، أو وقائع حقيقية، تستمر منظمات دولية حقوقية بالافتراء على المملكة باتهامات غير صحيحة، تتناول حقوق الموقوفين في السجون السعودية، وصلت إلى حد اختلاق بعض القصص، سبق وأن نفتها المملكة عبر بيان رسمي من وزارة الإعلام، ولم يجد النفي الرسمي أي صدى في تلك المنظمات التي تروج الأكاذيب، وتتجاهل الردود السعودية الرسمية.

وكانت وزارة الإعلام قالت في بيانها، إن التقارير الأخيرة التي نشرتها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش لا أساس لها من الصحة، وتنفي الوزارة بشكل قاطع وبشدة تلك الادعاءات.

وما يزيد من هشاشة «الأكاذيب والمزاعم» التي تنشرها تلك المنظمات، المعروفة بمواقفها السلبية من المملكة، باستنادها إلى مصادر مجهولة لتروي قصصاً «مختلقة»، حتى أن عدداً من القصص التي نشرتها عن موقوفين خرج ذووها وكذبوها.

وتحظر أنظمة المملكة التعذيب بجميع أشكاله، وتشدد المادة الثانية من نظام الإجراءات الجزائية صراحة على حظر إيذاء المقبوض عليه جسدياً أو معنوياً، وحظر تعريضه للتعذيب أو المعاملة المهينة للكرامة، كما تضمنت المادة الـ36 من النظام وجوب معاملة الموقوف بما يحفظ كرامته وعدم جواز إيذائه جسدياً أو معنوياً. كما تنص المادة الـ102 من النظام على أنه «يجب أن يكون الاستجواب في حالة لا تأثير فيها على إرادة المتهم في إبداء أقواله، ولا يجوز تحليفه ولا استعمال وسائل الإكراه ضده». كما تتضمن المادة الثانية من المرسوم الملكي رقم (43) الصادر عام 1958 بالمعاقبة على استغلال النفوذ الوظيفي أو إساءة استخدام السلطة في إجراءات الدعاوى الجزائية، أو الافتئات (انتهاك) على حقوق الإنسان، أو إسـاءة المعاملـة أو الإكـراه باسـم الوظيفة كالتعـذيب أو القـسوة. كما شددت المادة 28 من نظام السجن والتوقيف الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/‏‏31 الصادر عام 1978 بعدم جواز الاعتداء على المسجونين أو الموقوفين بأي نوع من أنواع الاعتداء، واتخاذ إجراءات التأديب ضد الموظفين العسكريين والمدنيين الذين يمارسون أي عدوان على مسجونين أو موقوفين.

وفيما تفرض قوانين وأنظمة المملكة في كافة القطاعات ما يحفظ حقوق الإنسان ويعزز صونها، تعمل هيئة حقوق الإنسان على التأكد من تنفيذ الجهات الحكومية للأنظمة واللوائح بموجب صلاحياتها التي نصت عليها الفقرة الأولى من المادة الخامسة في تنظيمها.

وقد نفذت هيئة حقوق الإنسان السعودية زيارات تفقدية لرصد ما قد يتضمن مخالفة الأنظمة، وكل ما قد يشكل انتهاكاً لحقوق الإنسان. وكشف تقرير الهيئة السنوي لعام 1439 عن تنفيذ هيئة حقوق الإنسان 394 زيارة، من بينها 108 سجون تابعة للمديرية العامة للسجون و5 سجون تابعة للمديرية العامة للمباحث، و159 داراً من دور التوقيف الشرط التابعة لـ«الأمن العام»، و10 زيارات للمرور والبحث الجنائي وحرس الحدود وتوقيف تنفيذ الأحكام الحقوقية، و37 زيارة لمجمع دور الملاحظة الاجتماعية، و7 زيارات لجميع مؤسسات رعاية الفتيات. وشكلت الهيئة فريقاً من أعضاء مجلس الهيئة وموظفيها لزيارة مناطق المملكة.

واحتوى نموذج الاستمارة الخاصة بجمع المعلومات على العديد من العناصر، منها: أعداد النزلاء والطاقة الاستيعابية، والوضع القانوني للنزلاء، والسجل العام لهم، وتصنيف النزلاء وأماكن احتجازهم، والوضع العام للمباني، والأجنحة الجماعية، والأجنحة الفردية، وأجنحة العزل الصحي، وأجنحة الأمهات، والتجهيزات الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة، والنظافة الشخصية، والطعام، والتمارين والأنشطة الرياضية، والرعاية الصحية، والانضباط والعقاب، وأدوات تقييد الحرية، وتزويد النزلاء بالمعلومات، وحقهم في الشكوى، والاتصال بخارج السجن، وممارسة الشعائر الدينية، وحفظ الأمتعة، والإخطارات بحالات الوفاة أو المرض أو النقل، وانتقال النزلاء، والرقابة والتفتيش، والعمل، والتعليم، والتأهيل والتدريب، والرعاية الاجتماعية والرعاية اللاحقة.

وترفع الهيئة تقاريرها وملاحظاتها بشكل دوري إلى الجهات العليا استناداً إلى الفقرة السادسة من المادة الخامسة من تنظيم الهيئة.

كما نفذت الهيئة 245 زيارة تفقدية شملت عدداً من الجهات الصحية، كالمستشفيات ومراكز الرعاية الأولية، وعدداً من المؤسسات الاجتماعية، كمراكز الحماية والحضانة، والجمعيات الخيرية ومراكز التأهيل الشامل ومعاهد ذوي الإعاقة، إضافة إلى عدد من الجهات التعليمية. وحضرت هيئة حقوق الإنسان 23 جلسة محاكمة شملت 25 متهماً في قضايا أمنية، من بينهم متهمان اثنان (غير سعوديين)، وتحضر الهيئة جلسات المحاكمة بناء على أمر سام لمتابعة إجراءات المحاكمة للتأكد من حصول المتهمين على حقوقهم النظامية. وقد كانت أبرز التطورات المرصودة إفهام المدعى عليهم بأن لهم الحق الكامل في توكيل محام أو وكيل شرعي، وفي حالة عدم قدرتهم على دفع التكاليف تتولى وزارة العدل ذلك، إضافة إلى طلب مترجمين لحضور بعض الجلسات للمدعى عليهم الذين لا يتكلمون اللغة العربية، وإعلام المدعى عليهم بأن من حقهم الاعتراض على الأحكام وفقاً لنظام الإجراءات الجزائية، والسماح لذوي المدعى عليهم ووسائل الإعلام بحضور الجلسات وذلك تطبيقاً لمبدأ علانية الجلسات.

كما عملت الهيئة على دراسة مشاريع الأنظمة واقترحت إجراء تعديلات جوهرية على بعضها.

ورغم أن عملها من الميدان، لرصد أي تجاوز محتمل، إلا أن هيئة حقوق الإنسان، كما يبدو لي، تفضل العمل بعيداً عن «الترويج الإعلامي الدعائي». ويبدو أن مسيرة الإصلاح وتطوير القوانين والأنظمة مستمرة في المملكة على عدة قطاعات، بما فيها قطاعات العدالة الجنائية. وكواحدة من التدابير الرقابية لضمان تنفيذ اللوائح والأنظمة، وضعت النيابة العامة كاميرات داخل مكاتب التحقيق، لضمان جودة التحقيق مع المتهمين بما في ذلك سلامة إجراءاتهم. وأصدرت تعميماً بالتأكيد على أعضاء النيابة بالتقيد بتضمين أوراق القضية بما يفيد تعريف المتهم بحقوقه، وتضمين قرارات الاتهام المفاهيم الواردة في اتفاقيات حقوق الإنسان التي أصبحت المملكة طرفاً فيها. كما أنشأت المديرية العامة للسجون منذ أعوام إدارة لحقوق الإنسان وتفعيل وتعزيز دور المكاتب التي تم إنشاؤها داخل السجون للجهات الرقابية لتلقي شكاوى السجناء. وأتاحت السلطات الأمنية للجميع الاطلاع على المعلومات المتعلقة بالموقوفين في قضايا أمنية وآليات التواصل الإلكتروني مع ذويهم وتقديم جميع طلباتهم وشكاواهم، عبر موقع إلكتروني (نافذة تواصل).

إنجازات لا يبصرها المسكونون بـ «سعوديفوبيا»



سجلت المملكة إنجازات كبيرة في ملف «حقوق الإنسان»، التي جاءت منسجمة مع ما توليه قيادتها من اهتمام كبير بحفظ حقوق الإنسان وحمايتها، فعلى سبيل المثال لا الحصر، حل أمر سام ملفا ظل معقداً ومفتوحاً لعقود، بعد أن وجه الجهات الحكومية بعدم اشتراط الجهات الخدمية موافقة ولي الأمر لخدمة المرأة، ما مثل دفعة قوية قانونية للمرأة السعودية في طريق تمكينها وفاعليتها في البناء والتنمية، في وقت يسعى السعوديون إلى رفع نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل من 22% إلى 30%. كما حلحلت المملكة الكثير من العوائق التي كان تواجه المرأة، إذ شهد شهر يونيو من العام الماضي انفراجة كبيرة بالسماح للمرأة بقيادة السيارة، وتسلمت المرأة السعودية مناصب قيادية كبيرة، وتشارك عضواً في مجلس الشورى وكذلك يحق لها الترشح والانتخاب في المجالس البلدية، في وقت لا تزال عملية تمكينهن قائمة على قدم وساق. ونجحت المملكة في ترجمة حرصها على حقوق الإنسان على أنظمتها وقوانينها، في عملية تحديث وتطوير مستمرة منذ أعوام، حتى أنها خرجت بـ«نظام الأحداث»، الذي أقر في شهر يوليو من العام الماضي، يضم في داخله مواد مهمة جداً، كالمادة الـ15 في النظام والتي تنص الفقرة الأولى على «إذا لم يكن الحدث متماً الخامسة عشرة من عمره وقت ارتكابه فعلاً أو أفعالاً معاقباً عليها فلا يفرض عليه سوى تدبير أو أكثر من التدابير التالية: توبيخه وتحذيره، تسليمه لمن يعيش معه من الأبوين أو لمن له ولاية (...)، الإيداع في مؤسسة اجتماعية أو علاجية لمدة لا تتجاوز السن بشرط أن يكون متمماً الثانية عشرة من عمره وقت ارتكابه الفعل المعاقب عليه». وتنص الفقرة الثانية على «إذا كان الحدث متمما الخامسة عشرة من عمره وقت ارتكابه فعلاً أو أفعالاً معاقباً عليها تطبق عليه العقوبات المقررة عدا عقوبة السجن، فيعاقب في الدار مدة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى للعقوبة الأعلى المقررة لتلك العقوبة (...)، وأما إذا كانت الجريمة مما يعاقب عليه بالقتل، فيعاقب بالإيداع في الدار مدة لا تتجاوز 10 أعوام».

كما قطعت المملكة شوطاً مهماً، ولافتاً في منطقة لا تزال تفرض التمييز الجندري بين مواطنيها، فنظام التأمين ضد التعطل على العمل يشدد في الفقرة الأولى من المادة الثالثة على تطبيق القانون دون تمييز في الجنس، إضافة إلى وجود مساع تشريعية في مجلس الشورى على إنجاز قانون مساواة الأجور بين الذكر والأنثى، كما تعهد الأمير محمد بن سلمان بإطلاق المبادرات اللازمة لضمان «مساواة الأجور»، في حديثه الشهير مع قناة «سي بي إس» الأمريكية.

الطريق إلى الحقيقة



من يرغب في معرفة الحقيقة بعيداً عن «التسييس» وترويج الأكاذيب ضد المملكة سيجد أن جهود هيئة حقوق الإنسان تتزايد سنوياً، وكل منصف سيرى تلك الجهود الإنسانية والحقوقية، ولا شك أن الأخطاء تحصل في كل مكان حتى في البلدان المتقدمة، وإنشاء هيئة مستقلة لحقوق الإنسان هو أحد أشكال تجسيد المملكة لمبادئ حقوق الإنسان الواردة في النظام الأساسي للحكم، وقيادة المملكة تعمل على إصدار الأنظمة والتشريعات الرامية إلى حماية حقوق الإنسان وتعزيزها، وتحقيق العدالة والمساواة بين الجميع، بما ينشر ثقافة حقوق الإنسان، إيماناً بما كفلته الشريعة الإسلامية من مبادئ وقيم سامية تحمي الحقوق والحريات المشروعة. جهود هيئة حقوق الإنسان السعودية مستمرة، وغالبية الأوقات تعمل بصمت بعيداً عن الأضواء والإعلام احتراماً لخصوصيات من تعمل من أجلهم على كافة الأصعدة.