ذاع قبل أيامٍ خبر رؤية نفر من الناس بكورنيش المدينة، كانت هيئتهم مريبة ولحاهم كثة وثيابهم قصيرة، وكل منهم يحمل بيده (مسلكة غليظة)، كانوا يحدقون للأشياء بدهشة، أحدهم يشير للممشى حيث تتريض النساء بالدراجة، وآخر يومئ بعينه باتجاه المسرح المتنقل الذي يعرض عدداً من الفنون الفلكلورية، فيما يصرخ ثالثهم: انظروا هناك، يا الله، امرأة تقود السيارة، ليشد على يدهم كبيرهم: دعكم من هذا وتعالوا انظروا لإعلانات الطريق: حفلة لعبادي الجوهر، مسرحية، افتتاح صالة سينمائية برنامج نجم السعودية، عودة ثنائي طاش، وما هذه البدعة المكتوبة هناك، إنه: مهرجان شتاء ط ن ط و ر ة؟!

هكذا تنفس المجتمع الصعداء فراح يحتفي بالحياة، بعد أن زاحت عن صدره الضيقة التي أحدثتها العقول المنغلقة والأفكار المتطرفة، حتى أغرقته في وحل من الكآبة لم تعق حركة تقدمه فقط، بل لطخت مشهده الثقافي بالطين حتى بدا موحشاً وبدائياً!

قد يكون من حسن حظ تلك الفئة إسقاط توصيتها بمجلس الشورى قبل أن تسقط في شر أعمالها، فعودة الهيئة لممارسة مهامها وسط التطورات الحاصلة، سوف يدخل أفرادها بقضايا لا حصر لها، ولن يكون بالإمكان كما كان تبرئتهم، فصراخهم عبر المايكرفون: غطي وجهك يا امرأة، سيصنف على أنه مخالف للأنظمة، ومنعهم دخول الشباب للأسواق أو تفتيش جوالاتهم سيعد أفتيات على السلطة العامة، أما اقتحامهم للمقاهي وتكسير آلة العود فسيعتبر عصياناً وتعدياً جنائياً، أما مطاردة مركبة والتسبب بانقلابها ومقتل قائدها فقط لأن صوت مذياعها كان يصدح بأغنية فسيكيف على أنه: قتل مع سبق الإصرار والترصد، أما نصب (الكمين) بإنشاء الرسائل والصور الغرامية لاستمالة المراهقين والإطاحة بهم فجريمة إلكترونية موثقة.

من يعمل يخطئ ومن لا يعمل لا يخطئ، لهذا يصبح متوقعاً وسط العمل الجبار والمتفاني الذي تقوم به هيئة الرياضة أو الترفية أو الثقافة أو السياحة، في سباقهم مع الزمن، أن تحدث هناك بعض التجاوزات الفردية، لكن هذا لا يعني أن نلغي كل النجاحات المتحققة، أو أن نفكر بغباء في العودة للعصور الفانية، ومن واقع إيماني التام بمبدأ (العصا والجزرة) فإنني أقترح استحداث (هيئة الأمر بالنظام)، هيئة متواضعة وقريبة من الناس، هيئة توعوية لا انتقامية، هيئة شعارها (لأن يخطئ الإمام بالعفو خيرٌ من أن يخطئ بالعقوبة).

إن الدعم الحقيقي الذي يجب أن يقدم للهيئة، هو تكاتف الأيدي لدفع جمسهم القديم حتى يدور محركه المتصلب من طول الوقوف، فيستقلونه ويعودون للعيش القديم، ليفرغ بعضهم غيظه بشرار حجر الصوان الذي لن يشعل سوى نار أوهامهم.