قبل أقل من أسبوع خرج شريط العاجل بقناة العربية معلناً عن اكتشافات سعودية ضخمة في الغاز والنفط، المدهش كان في حجم المخزونات التي تُعد بحق «قنبلة نووية نفطية سعودية»، ستعيد قراءة مشهد التوازنات النفطية والغازية حول العالم، وبها ستتقدم المملكة إلى أعلى الدول استحواذاً على مخزونات الطاقة، السعوديون لم يتركوا الأمر للتخمينات أو التشكيك بل قالوا وبكل شفافية إن الاكتشافات قُيِّمت من طرف محايد ليعزز مصداقية ارتفاع المخزون إلى أرقام غير مسبوقة هي الأكبر في العالم.

بعدها بساعات يخرج وزير النفط السعودي في مؤتمر صحفي مزهواً سعيداً بتلك النتائج الكبيرة في أحواض النفط والغاز السعودية.

لقد بقيت المملكة العربية السعودية طوال أكثر من 80 عاماً - هو عمر النفط فيها - سيدة السوق ورمانة توازنه وعمود خيمته، إلا أن خطر تراجع دورها بدأ يتردد في الأوساط النفطية خاصة مع اكتشافات نفطية كبيرة في العالم، لعل أهمها تطور صناعة النفط والغاز الصخري والحقول الجديدة في الولايات المتحدة الأمريكية التي تكاد تكون في المستقبل القريب الرقم الأصعب في هذه الصناعة، فهل كان ما يردده خبراء النفط دقيقاً أم أنه جزء من سياسة الدهاء السعودية.

إعلان الرياض سبقه بأسابيع إعلان قطري عن انسحابها من منظمة الأوبك، الانسحاب جاء تحضيراً لمحاولة قطر الدخول للسوق النفطية رغم إنتاجها المتواضع، في منافسة مع الرياض على سياسات النفط والتحكم في أسواقه التي لا يمكن لقطر التأثير فيها، ومن هنا جاء قرار الدوحة بالتوسع في شراء حقول نفط خارج أراضيها لكي تكبر كتلتها النفطية ضمن الدول المنتجة، وهو الذي حدث فعلياً بتوقيعها اتفاقية مع شركة إيني الإيطالية تستحوذ بموجبها على 35% من 3 حقول نفطية في المكسيك، وفي التفاصيل ذكرت شركة إيني في بيان لها على موقعها، أن الحقول الثلاثة هي «أموكا وميزتون وتيكواللي» التي تقع في المنطقة رقم 1 في خليج كامبيتشي بالمكسيك.

لقد تركت الرياض قطر ترتكب الأخطاء وتدفع الأموال الطائلة في شراء حقول تبعد عنها آلاف الأميال بهوامش ربح ضئيلة لتتغطى وتكبر بثوب غيرها، ثم تفاجئها الرياض أن حقولها الجديدة من النفط والغاز تحت أقدامها، ولا تستطيع أن تصل قطر لـ1% منها حتى لو اشترت كل حقول المكسيك.

في نفس الفترة تقريباً نشرت صحيفة «البلومبيرغ» تقريراً مفصلاً عن حوض تكساس العملاق الذي تزمع الولايات المتحدة إعلان البدء في تشغيله وهو المليء بمكامن كبيرة من النفط والغاز، ودعونا نقرأ ماذا قال «مايك لويا» المدير التنفيذي لمجموعة «فيتول» عنه: «سيواصل حوض بيرمين نموه وعلى أوبك التعلم والعيش معه».

بلومبيرغ علقت: سيمثل تدفق النفط بهذا الحجم أكبر تحدٍ لمنظمة أوبك تواجهه منذ 60 عاماً على وجودها.

إذن نحن أمام صراع بين الأقوياء والمتطفلين على النفط، فالسعودية والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا سيبقون أسياد العالم في صناعة الطاقة لعقود طويلة قادمة، فهم المزودون الأكبر وهم من لديهم مخزونات واحتياطات كبيرة، ولذلك سنرى أن هذه الدول الثلاث هي من سيقود مستقبل الطاقة خلال السنوات القادمة ما سيؤثر على السياسات والتوازنات، وستبقى قطر- وهذا ليس زحفاً ضدها وإنما إقرار للواقع - مجرد دولة صغيرة متطفلة على النفط، وفي الأغلب ليست أكثر من شركة تشتري حقوق بعض الحقول من أجل مناكفة السعودية والبحث عن دور في هذه الصناعة.

الرياض بإعلانها الضخم تقول بكل تواضع لا زلت سيدة العالم في إنتاج البترول وبتكلفة زهيدة لا تتجاوز 4 دولارات للبرميل، بل وسأدخل إلى صناعة الغاز وسأكون الدولة رقم واحد، بعدما فضلت لسنوات أن تتيح الفرصة للمنتجين الآخرين أن يوسعوا حصصهم ضمن سياسة توازن «سياقتصادي» عملت بها الرياض لفترة طويلة وحان وقت التخلي عنها.

* كاتب سعودي