سيُكتب تاريخ الحكم السعودي في تطوير مكة المكرمة بماء من ذهب، فمن يعود لتاريخ العمارة والمساحة والخدمات في العاصمة الإسلامية مكة المكرمة سوف يطلع على حجم التطور الذي مرت به مكة المكرمة منذ بداية العهد الإسلامي، حيث تعاقب الخلفاء والأمراء والسلاطين والملوك على إحداث التطوير في مكة المكرمة لخدمة الإسلام والمسلمين، ومنذ بداية عهد الملك عبدالعزيز حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ومكة المكرمة والمدينة المنورة تحظيان باهتمام كبير لتطوير الحرمين والمشاعر المقدسة، وأكبر دليل على ذلك قرار خادم الحرمين الشريفين بإنشاء هيئة ملكية خاصة لتطوير مكة المكرمة، وقد كان أعظم إنجاز للدولة السعودية لخدمة حجاج بيت الله والمعتمرين هو تشغيل قطار الحرمين بين مكة المكرمة والمدينة المنورة مروراً بجدة ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية.

ومن أهم الإنجازات العمرانية لزيادة الإمكانات المتاحة للمسلمين وسكان مكة المكرمة وتحسين الصورة السكنية والشكلية للعاصمة المقدسة والتخلص من الصورة السيئة للأحياء والمساكن الشعبية في المناطق العشوائية، هي إزالة العشوائيات، وهو المشروع الذي فكر وخطط وينفذه الآن صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة منذ توليه إمارة منطقة مكة المكرمة في الإمارة الأولى والثانية، وهو مشروع عظيم لبلد عظيم ويليق بالبيت العظيم وزواره الكرام.

لقد نجح سموه في تغيير صورة مداخل مكة المكرمة والتي كانت تمثل صورة سيئة لا تليق بمكة المكرمة وأهلها وزوارها، وهي عشوائيات بني معظمها على تعديات من خلف التنظيم ورقابة أمانة العاصمة وأنشئت داخل هذه العشوائيات تجمعات سكانية غير نظامية وبمرافق خدمية غير نظامية من تجارة وتعليم وصحة وغيرها، وانتشر في بعضها الفساد وإيواء الهاربين فأصبحت بعض الجهات المعنية تعاني من صعوبة الوصول إلى وسط هذه العشوائيات لتقديم خدماتها أو تطبيق أنظمتها أو البحث والتحري عن سكانها، بالإضافة إلى الصورة غير الحضارية لمساكن هذه العشوائيات حتى ليظن القادم لمكة بالقطار أو بالسيارات أنها في إحدى الدول الفقيرة.

نعم لقرار إزالة العشوائيات، وأشكر سمو الأمير خالد الفيصل ولبعده الإنساني بالحفاظ على حقوق ساكنيها في إيجاد السكن اللائق البديل لهم، وتعويض كل من يملك صكاً بأرضه وبنائه بالخيار إما الدخول بالشراكة أو تأمين السكن البديل، وهو إجراء فيه عدالة تحقق المصلحة العامة والخاصة، ولم يكن هذا البديل وعوداً لا تتحقق وإنما هي وعود تنفذ حالاً ولا مجال للانتظار، وهي نصيحة لجميع من تنطبق عليهم شروط السكن البديل بسرعة قبول عروض الانتقال لتملك سكن بديل أو الدخول بشراكة في مشاريع التطوير.

وإذا جاز لي أن أقدم اقتراحاً لسمو الأمير وللجنة الملكية الخاصة بتطوير مكة المكرمة، وللشركة المعنية بالتطوير (البلد الأمين) وعلى وجه الخصوص تطوير العشوائيات، فإنني أتمنى أن تتحول العشوائيات إلى مخطط عمراني تراثي قديم المنظر حديث البناء والتفاصيل والتخطيط لتعود ويعود أهالي مكة إلى تراثهم القديم الذي تم هدمه لتوسعة الحرمين الشريفين وتعود صورة مصغرة من الأحياء القديمة لمكة المكرمة ببناء حديث ذي طابع إسلامي، وبهذا نكون قد حافظنا على صورة من التراث القديم لبيوت مكة القديمة، وتعيد لأبناء مكة تاريخ العمارة الإسلامية التي كانوا يتباهون بها.

وبصفتي أحد أبناء مكة الذين عاشوا وتربوا في أحد الأحياء القديمة في مكة المكرمة أتمنى أن يرجع المخططون لتطوير العشوائيات لخرائط وصور الأحياء القديمة بمكة المكرمة ونقتبس منها صوراً حديثة للعمران القديم على هيئة أحياء مكة القديمة، ولتكون متحفاً معمارياً للفن الإسلامي القديم، كما أتمنى أن يستفاد من بعض أراضي العشوائيات لبناء المتحف الإسلامي للآثار الإسلامية ومكتبة مكة المكرمة، وأتمنى أن يسمى شارع رئيسي في مكة المكرمة باسم رائد تطوير العشوائيات الأمير خالد الفيصل الذي قاد فكرة تطوير العشوائيات وعانى ولا زال يعاني من الرأي الآخر المنادي بالحفاظ على التراث حتى لو كان عشوائياً.

إن فكرة إعادة نموذج الأحياء القديمة بأسمائها وببناء حديث في مناطق العشوائيات سيخلد الأسماء القديمة التي عشنا فيها وعرفها العالم الإسلامي منذ قرون، لقد كتبت وكتب غيري من أساتذتي من مؤرخي مكة المكرمة أسماء وأوصاف وأشكال الأحياء القديمة، ولقد برع علماء الآثار في مصر وفي أنحاء أخرى في العالم من إعادة بناء لآثار قديمة أو ترميم آثار قائمة حفاظاً على التراث وبصورة حديثة.

وكم كنت أتمنى أن يشارك خبراء متخصصون في فن المعمار الإسلامي بإبداء الرأي والمشورة بغرض الاستفادة من الخبرات وليس فرض الرأي.

* كاتب اقتصادي سعودي