الحديث عن التعليم لا يتوقف انتقادا وتطلعات إلى الأفضل على ضوء معيارين أساسيين؛ أولهما توافق مخرجاته مع سوق العمل، وثانيهما مستقبل التنمية الجديدة في بلادنا للحاق بالعصر، حيث لم تعد ماكينة التقدم العالمي تسمح بفسحة من زمن للركون في العلم والتنافسية في امتلاك القدرات.

العلم والتعليم ليس حكرا على دولة أو أمة، فالنماذج والتجارب المتقدمة غربها وشرقها ليست واحدة في تفاصيلها، لكن يظل القاسم المشترك بينها هو بناء العقل والتفكير وفلسفة منظومة التعليم ودقتها، كما لا نغفل تأكيد السلوك المرتبط به من أخلاق وقيم العلم والعمل والحياة والانفتاح العلمي والحضاري، وهو ما نعرفه بـ(التربية والتعليم).

تطوير التعليم في تلك الدول استغرق أعواما عديدة حتى أثمر وفق خطتهم الزمنية وما حددوه من أهداف والإجابة على السؤال: ماذا نريد من التعليم؟ ونحن اليوم وبعد مشوار عقود، نجد أنفسنا أمام نفس السؤال، وأول من يستشعر ذلك هو من تقع عليه المهمة، وأعني هنا الوزارة وعلى رأسها الوزير الدكتور حمد آل الشيخ الذي تسلم مقاليدها قبل أيام، ويدرك معاليه حجم التحدي وتطلعات القيادة والمواطن وأهمية رؤى القطاع الخاص لما يجب أن يكون عليه التعليم في المملكة، وهي لاشك مهمة ثقيلة نظرا لتراكمات كثيرة خضعت لعمليات ترميمات وتجارب لم تعد تجدي نفعا مع تحديات التنمية الشاملة والمستدامة، لذلك تحتاج المرحلة إلى شفافية وإرادة، وتعاون المجتمع، وإلى رؤى ودور القطاع الخاص.

لذا من الإنصاف القول إن التطوير الجذري للتعليم لن يكون بعصا سحرية ولا بالقفز فوق الواقع بتراكماته، ولا ببريق التمنيات وبلاغة الديباجات التي لا تراوح حروفها، إنما رؤية محددة وواضحة، مقرونة بمراحل تطبيق وإمكانات كبيرة لن تبخل الدولة بتأمينها، فأمام التعليم الفرصة المصيرية لتتويج استحقاقات (رؤية المملكة 2030) وما استهدفته لمستقبله، وهنا التحدي الأكبر في الانطلاق وإن استغرق ذلك سنوات عدة هي في عمر الزمن قليلة، لتشمل كافة مراحل التعليم بالتوالي والتوازي معا، وبالقطع التغيير الجذري عادة ما يُحدث صدمة للمنظومة وللمجتمع الذي تشبع بالأداء التقليدي.

شبابنا من البنين والبنات كفاءات قديرة تحتاج إلى كفاءة تعليمية، ورأينا كم شهدت دول وجامعات ومراكز طبية بتفوق وجدية مبتعثينا ومبتعثاتنا علما وممارسة عملية، وقبل ذلك لدينا جامعات سعودية تتميز ببرامج علمية وإمكانات وجودة تعليمية، لكن في المقابل توجد أخرى تحتاج إلى غربلة في تخصصاتها وتطبيق حقيقي لخططها.

نحتاج تعليما يتفاعل مع علوم العصر ويرتبط بالإبداع وثقافة الإنتاج ويعزز الحياة الفاعلة والسلوك الإيجابي، فالأجيال هي من تبني المستقبل حسبما اكتسبته، وإذا صح التعليم استقامت نتائجه في مخرجاته بمنهج التفكير والابتكار وقيم الحياة من الروح الجماعية واستثمار الوقت في كل ذلك.

* كاتب سعودي