من شدة تعلقهما ببعضهما لم يقتسما تركة أبيهما. وظلا معاً بزوجتيهما وأولادهما كانت أخوّتهما مضرب مثل في القرية والقرى المجاورة، وعاشت الأسرتان في كنف أخوّة مثالية كان الصغير يبدّي أخاه باللقمة ويؤثره بصدر المجلس ويقدّمه على نفسه في كل شأن، ولا يبت في علم دون الرجوع إليه، والكبير لا يفتي به الذِّكر، ولا يفتر لسانه من ترديد (أنا فدى آخي).

رزق الله، الصغير بولد واحد، والكبير ببنت وحيدة. تربيا منذ نعومة أظفارهما على القيم العائلية النبيلة شيمة وحشيمة، وعناية ببعضهما، وكانا يسرحان بـ«الحلال» فيتمدد (معيض) في فيّة السدر، وابنة عمه عين على الغنم وعين على الذباب لا يقع على وجهه.«»

قال الكبير لحمدان «الورعان كبروا وانحن حلالنا وحالنا واحد ومرزقنا ومطرقنا ما بنخليه نهب للسايب والعايب، ومعيض عاد رجال ما ينداس في جرينه و(معيضة) عروس، وبنتنا في بيتنا، فقال الصغير: متى قد قلت لك يا (عثمان) لا. ما سمعتها منّيه وما مضى ولا بتسمعها فيما تلي».

حاولت زوجة حمدان أن تفسد الترتيب والعلاقة، وبدأت «تحنم» عليه، فقال لها «اسمعي يا منقلّة الروايا، من بغى الصحبة تثنّى ومن بغى العداوة تجنّى، وإنتي تحسبيني تنكة تحشينها تمر، وإلا كيس علف تعبينه رُفه، هبهب الله عليك، إن كان ما يعجبك شور آخي فبيت آبوك تعرفينه».

عشوا جماعتهم على ثور ساحلي شحمانه أكثر من لحمه، وارتصّت الصفوف وانتشى الشاعر بالكسوة فقال «أنا يا عثمان ما جيت من شأن القروش، والا نأكل لحم هوش، جيت حشمة لابن عواض وانشد عن غويد، وانتشد عن بوجعيدي، عسى عمره طويل، منزله في الشرق الأدنى، وأنا في الشرق الأقصى، ما يقل يا صاحبي كيف حالك وش ترى».

ستة عشر عاماً مضت ومعيضة كاتمة السر. لم تبح به حتى لأمها، وبعدما توفى الله الشيبان، شار معيض على صديق طفولته أن يتزوجها، وأقسم له أنها كما ولدتها أمها. سأله: كيف ما ظهر علمك وعلمها، وابن خولان يقول «ما خش يبدي، ولو كان تحت الصِّلي المحجلاتي»، فقال خل ابن خولان ومثايله عنّا، أنا حليل حميل وهي بنت أصول.

بعد سنة كان أول مولود لمعيضة يدّلس في حثل سميّه، ومعيضة تعجن غداها وتقول لمعيض لقيت لك يا آخه عروس من بنات المدارس، فقال: شورك وهداية الله، تراك سندي وعلمي ما يخرج من إيدك يا بنت الأصول. علمي وسلامتكم.