لقد استبشرت خيراً بقرار وزير التعليم السابق الدكتور أحمد العيسى بتدريس الفلسفة بالمدارس الثانوية، والاستعانة بشركة بريطانية متخصصة لوضع المقررات الدراسية، وتدريب مجموعة من المدربين السعوديين وذلك لتعليم المدرسين الكيفية المثلى لتدريس الفلسفة للطلاب في المدارس.

تلك خطوة كبرى في الاتجاه الصحيح، تعيد الاعتبار للفلسفة ودورها التنويري في مدارسنا ومجتمعنا، وتدل على وجود وعي حقيقي لدى المسؤولين بأهمية تنمية الوعي النقدي لدى الطلاب، وتهيئة عقول الأجيال الجديدة للتفكير الخلاق والإبداع والتجديد والتطوير.

لقد غُيب العقل لقرون عديدة في حضارتنا العربية الإسلامية، ومنذ القرن السابع الهجري أصبح التعليم يقوم على التلقين والحفظ، والنسخ والنقل، ووضع الشروح على متون القدماء، ولهذا صار المناخ العلمي والعام يرفض التجديد، ويقوم بتفسيق المُخالف، ويتخذ من الإقصاء منهجاً وقتل الأفكار الجديدة ووأدها وتحريمها هدفاً؛ مما أدى في نهاية الأمر إلى خروج المسلمين من دائرة صنع الحضارة، ليصبحوا إما مستهلكين لتراث الأسلاف الذي تجاوز الزمن أغلبه أو مستهلكين لما ينتجه أبناء الحضارات الأخرى من أفكار وعلوم وتكنولوجيا.

قبل أيام قلائل انتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي عن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية على شركة هواوي الصينية، خوفاً من وصول شركة هواوي إلى تقنية (G5) أو الجيل الخامس من تقنيات الاتصال الخلوي فائق السرعة، التي سوف تغير وجه العالم بأكمله.

وهذا الصراع يُظهر كيف أن المعرفة المتقدمة صارت قوة وسلطة في يد الصينيين، يسعون من خلالها للسيطرة على العالم. وهذا يجعلنا ننادي بضرورة اتخاذ خطوات سريعة لعمل حراك فكري وعلمي وثقافي يحرك الركود الذي استهلك سنوات من عمر بلادنا. وكذلك الاهتمام بمراكز البحوث المتقدمة، وعمل أقسام متخصصة في الجامعات للدراسات الفلسفية، وربط الكليات العلمية والإنسانية بالمجتمع ومتغيرات العصر، حتى لا تصبح الكليات مفصولة عن مجتمعها وعصرها، أو منفصلة عن التخصصات الأخرى كل منها في جزر منفصلة ويعيش المشتغلون بها في أبراج عاجية.

لقد بدأت كل منجزات الحضارة الإنسانية بفكرة؛ فمخترع السلالم الكهربائية غير وأعاد تشكيل مفهوم «الدرج» من خلال فكرة. والعجلة كانت فكرة، تم تطويرها والبناء عليها فحدثت معجزة تطور وسائل النقل. والديموقراطية فكرة غيرت من مفهوم علاقة الحاكم بالمحكوم وأنظمة الحكم والإدارة. والرأسمالية فكرة سيطرت وصنعت اقتصاديات العالم.

إذن فالمعرفة والأفكار الحية الديناميكية المتطورة، وتنمية الوعي النقدي، ومراكز البحث العلمي، والسعي لخوض المجهول واكتشاف أسراره، هي طريقنا الوحيد لعيش عصرنا، وامتلاك قوة وسلطة حقيقة تمكننا من تطوير بلادنا، وتأمين مؤسساتها ونظامها، وصنع حاضرها ومستقبلها.

* مستشار قانوني

@osamayamani

yamani.osama@gmail.com