علي الرباعي (الباحة)
تباينت ردود أفعال عدد من المثقفين حيال المشهد الثقافي، وركوده كما يزعم البعض، وتفاوتت الرؤى حول سبل تحريكه، ففي حين يرى البعض منهم أن المشهد الحالي جيّد، وحراكه حاصل، يرى فريق ثانٍ أن الركود سمة ثقافية عربية وحالة راهنة مشهودة، ما يوجب وضع تصورات لإعادة العربة إلى القضبان لتحريك قطار الثقافة. وعزت الروائية رحاب أبو زيد الركود إلى فقدان عنصر التشويق وتكرار الحضور عبر وسائل التواصل المتجاوز حد الملل، مشيرة إلى أن التشويق لا تنتجه الإثارة المفتعلة، وإنما بالمصداقية بدءا من تقدير المبدعين، وتناول أعمالهم بالنقد والقراءات، وتقييم العطاءات ومنح الجوائز لمن يستحقها، بعيداً عن المحاباة، وترى أن ربكة المشهد الثقافي متوقعة في ظل المحاكاة والتقليد والسرقات، وإعادة تدوير الأفكار.

وعد رئيس مجلس إدارة أدبي الباحة حسن الزهراني الحراك القائم حالياً مُرضيا إلى حد ما، كون الأنشطة تملأ أيام الأسبوع، ولا يوافق على وصف المشهد بالركود، ويؤكد أن تحريك المشهد يحتاج إلى رؤية وإستراتيجية يشترك فيها جميع أطياف المثقفين بما يواكب الرؤية ومستجدات العصر، عبر خطط دقيقة وواقعية، مضيفاً أن الأندية وجمعية الثقافة تقومان بدور جيد، إلا أنها بحاجة إلى مزيد من الدعم، لأن الثقافة لا يمكن أن تعتمد على نفسها.

فيما تحفظ الشاعر عبدالرحمن الشهري على وصف المشهد الثقافي بالراكد، حتى نقترح آلية لتحريكه، كونه لا يرى في الأفق أي سكون، بل حركة دائبة بشكل مختلف. ويؤكد أن الثقافة اليوم تعيش أبهى عصورها من حيث الإنتاج، والانتقال، والتنوع. وأضاف لا أذيع سرا إذا قلت إنه لم تعد للمؤسسات التقليدية تلك الوصاية عليها، كون أن هناك حراكا مبهجا في كل اتجاه، ويصعب متابعته بدقة، واستدعى مواقع التواصل وما تعكسه من الحراك. وأضاف «علينا أن نعي أننا في زمن رقمي، تشيخ فيه الأشياء بسرعة، وما يمثل لنا قيمة اليوم، قد لا يعني شيئا في الغد القريب، وهذا المعنى يمكن سحبه على المؤسسات الثقافية، والأشكال الفنية، وطرق التلقي». وجدد التأكيد على أن المشهد ليس راكداً بل سائل ويجري مثل النهر، وبالطبع أنت لا تنزل النهر مرتين.

ويرى الكاتب المسرحي محمد ربيع الغامدي أن على المشتغل بالثقافة الأخذ بعدد الخطوات ليسهم في تحريك راكدها، منها أن يتفهم دوره داخل الفضاءات الثقافية فيسارع إلى تلبية دعوات المؤسسات الثقافية ويجعل من حضوره غيثا مغيثا بمداخلاته وتعقيباته النافعة، وأن يستشعر حجم رسالته فيستمر في عطاءاته عبر جميع المنصات والنوافذ المتاحة له بل ويطالب بما يحتاج من منصات ونوافذ (النشر السريع عبر الصحف الورقية والسيبرانية، النشر الأسمى عبر الكتب، منابر الأندية وجمعيات الثقافة وغيرها من المؤسسات الثقافية)، مضيفاً أن على المثقف أن يثق في خبراته فيبادر إلى اقتراح الفعاليات التي يقدر على تنفيذها للإذاعة والتلفزيون والصحافة والأندية والجمعيات والجامعات وكل محاضن الفعل الثقافي كون الثقافة إشعاعات نورانية تجد منصاتها في شتى الوزارات، مشيراً إلى أن أشهر محاضرات الرائد الفذ حمزة شحاتة كانت على منبر جمعية الإسعاف الخيري بمكة، مستعيداً دور نادي السراة الرياضي في الباحة في التسعينات، إذ تبنى المحاضرات والعروض المسرحية والتشكيلية والموسيقية قبل قيام نادي الباحة الأدبي وجمعيته الثقافية.

ويذهب الشاعر عبدالعزيز الشريف إلى أن تحريك المشهد الثقافي يحتاج إلى تخليص الجسد الثقافي من علل الماضي، وتوارث الرداءة التي استحكمت فيه عقوداً، والاتجاه مباشرة إلى الضوء، والحياة، والأماني الجميلة، بروح العصر ومُعطاه الإنساني المبهر، والتعامل معه بدون أثقال، أو جهل، أو خوف من تجارب الآخر مهما كانت مباشرة، وعميقة وصادمة، مشيراً إلى أنه متى أدركنا أننا جزء من هذا العالم الذي يرانا ونراه دون حواجز، أو تصنيف، أو ستار، وفتحنا نوافذ الفرح مشرعة لمواسم التجريب لفضاءات الفن الإبداعي الذي نزفه للعالم بروح امرأة ورجل، فعندها نستطيع أن نقول للعالم إننا جزء من ضجيجه المستنير وإنه منا ونحن منه.

ويذهب الشاعر عبدالرحمن سابي إلى أنه يجب أن نؤمن بالاختلاف الجذري بمساحات المشهد الثقافي في ظل الرؤية العالمية المعاصرة وعدم ربطها بالسالف مما كانت تعيش به الثقافة قبل أعوام عدة، لافتاً إلى أن تحديد آليات التحريك تحتاج إلى استيعاب للواقع وتعزيز الإيجابية للوصول به للفاعلية المرجوة للانتقال بالمجتمع معرفيا إلى قابلية التفاعل مع الثقافات والحضارات المسايرة له وتقديم المثقف النوعي المؤثر، مؤملاً التخلص من الأمراض الثقافية المزمنة في مجتمعنا خاصة والملموسة عند أدنى وعي صادق يبحث بصدق وحب على خدمة الأنا في ظل الجماعة. وناشد أصحاب القرار بإيجاد وتسهيل المساحات الحاضنة للتفاعل المثمر مع الفعل الثقافي.

ويدعو الكاتب سعد الرفاعي إلى تحديد الأُطر التنظيمية التي يمكن للمشهد الثقافي التحرك في مداها كون الرؤية حول الأندية الأدبية مازالت ضبابية، إثر انتهاء تكليف أعضائها واقتصارها على الرئيس واثنين معه، مشيراً إلى أن الهيئة العامة للثقافة لا تزال في تحضيراتها للتعبير عن نفسها، وعدّ المثقف قائد تنوير مع قضايا ملحة ينبغي له أن يسهم بها لاسيما في هذه المرحلة التحولية من عمر الوطن، كون الرؤية السعودية أوجدت مساحات للحراك الثقافي واستندت له في تسريع التحول وصولا للرؤية، مشيراً إلى أن المتأمل في مناشطنا يجد أنها لم تزل تدور في الفلك نفسه. ويرى الناقد الدكتور سامي جريدي أن المثقف السعودي مهموم جداً بتحريك المشهد الثقافي في وطنه، إلا أنه يصطدم بقلة الدعم المادي أو انعدامه أصلاً، وعزا الركود إلى تجاهل المؤسسات الثقافية والجمعيات والأندية والجامعات للمثقفين الذين يعملون بها، ويؤكد بصفته جزءا من هذه المنظومة الثقافية أنه يمكن تفعيل الثقافة من خلال الاهتمام بالكتاب، وتنمية مهارات قراءته، وإتقان قراءة الشعر لدى الطلبة بالجامعة، لافتاً إلى أنه قام بذلك مع طلابه، وطلب منهم الذهاب إلى المكتبة، وحضور ما تقدمه الكليات والأندية من أنشطة ومعارض رغم قلتها وضعفها.