عندما نسأل أي طفل من أطفالنا عن مستقبله ووظيفة أحلامه يبادرنا مباشرة بحلمه الطيّار، المعلم، المهندس، الطبيب، السفير وغيرها من مهن القطاع الحكومي الشهيرة والمتداولة عند كافة أفراد الأسر السعودية التي تتناسخ أحلام مستقبل أولادها وفقًا للعرف الاجتماعي والنموذج المُحتذى به وقتها؛ فالوظيفة السائدة اجتماعيًا تكون هي مستقبل أحلام أغلب الأسر ويزدحم أبناؤهم عند أبواب جامعتها.

واقعيًا؛ الثقافة الاجتماعية في اختيار الوظائف المهنية للأبناء في المجتمع السعودي تقوم على أمرين؛ الأول هيمنة الوظيفة الاجتماعية السائدة في المجتمع وقتها التي بدورها تمثل الوجاهة الاجتماعية عند موجة كبيرة من الجمهور، والثاني انحصار اختيار الوظائف من القطاع الحكومي وإهمال القطاع الخاص والنظر إليه بدونية.

وللأمانة لا ألوم المجتمع في محدودية النظر إلى القطاع الخاص الذي سيطر عليه الأجنبي حتى بلغت رواتبه عشرات ومئات الألوف، أنا ألوم انعدام الثقافة المجتمعية وتقاعس الجهات المختصة وأولها الإعلام عن نشر مميزات وظائف القطاع الخاص والاكتفاء بنشر الصور السلبية عنها دون عرض المشكلات الحقيقية والمطالب المأمولة منها.

فقد انحسرت ثقافة المجتمع عن القطاع الخاص بأنها وظيفة لا تُطاق وتناسب فقط الغريب.. عابر السبيل.. وأن أعباءها لا تُحتمل ومعقدة في الأداء، والمستقبل معها غير آمن ولا مرهون ويعيش معها على كف العفريت.

القطاع الخاص لايزال يعاني من مشكلات نظامية تعد السبب في عزوف الأبناء عنها ولو تم تعديلها سيتم تعديل النظرة المجتمعية لوظائف القطاع الخاص وتحقيق المعادلة العادلة بين مزايا القطاع الحكومي عن الخاص التي تعد مطلبًا ضروريًا وعاجلًا لتحقيق طموحات الرؤية السعودية، أولها تحقيق الأمان الوظيفي الذي يفقده القطاع الخاص، رفع نسبة التوظيف إلى 100% بالشركات الكبرى كشركة سابك وفتح المجال بشركات البترول لاستيعاب السعوديين، وضع حد أدنى للرواتب بحيث تتساوى مع الوظائف الحكومية، تقديم برامج تأسيسية مهنية داعمة لتأهيل الشباب على خوض غمار العمل في السوق، ويكون ذلك ضمن المناهج الدراسية ولا يُكتفى بالاختيار والرغبة الذاتية، وبهذا يتم إلغاء شرط الخبرة التعجيزي بعدد السنوات، ويكون المواطن السعودي مقبولا بالخبرة منذ مراحله الدراسية الأولى. كل ذلك سيسهم حتمًا في الإقبال على القطاع الخاص الذي يعد الآن محدودًا ولا يحقق تطلعات الرؤية السعودية ويعالج عدم استمرارية الموظف السعودي فيه؛ لأنه يتعرض لمضايقات الموظف المنافس الأجنبي له ميدانيًا ومعنويًا في تشويه سمعته الوظيفية وعدم تحمله لأعبائها خصوصًا أن بعض المؤسسات والشركات الخاصة تعمل على تقدم المهن المتدنية في رواتبها ومحدودية العمل بها إلى الموظف السعودي وتخصيص المهن العالية في الأداء والتمكن والراتب للأجنبي، ربما يعود أحد أسباب ذلك تمكن الأجنبي المهني وتغييب تدريب السعودي والثقة به لتمكينه.

* كاتبة سعودية

fanarm_7@