أنا من جيل عاش حياته كفيلم صامت دون موسيقى تصويرية، لكن قلبي كان مترعاً بالمشاعر الجميلة، عشت في حي «شعب عامر» بمكة، حي عريق، الناس فيه متباينون في أرديتهم، وأصولهم، لكل منهم قصته، ولكل منهم سره، ووجعه، وبكائيته، وآلامه، وأتراحه، وأفراحه، نعم أفراحه، فلدى كل عائلة كانت تقطن ذلك الحي مفتاح الحياة، رحم سعادتها، وماعونها، وكأسها الذي لا ينضب، أذكر كيف كنا نتحلق حول «الفونوغراف» مشغل الاسطوانات القديمة، نستمع إلى نور الهدى تشدو بـ«انحلتني بالهجر ما أظلمك»، ولأم كلثوم تعاتب بشجن رقيق «دانا لو نسيت اللي كان، وهان علي الهوان، أقدر أجيب العمر منين»، وعبدالحليم يتساءل بدهشة «فين راح الشوق من قلبه والرقة والحنية»، وكنت في عطلة نهاية الأسبوع أستقل سيارة صديق الطفولة المهندس محمود كنسارة، ونذهب إلى «جدة» لفندق العطاس، نشاهد السينما، نتحمس لعراك «فريد شوقي» وندمع لفراق «نادية لطفي» من «رشدي أباظة»، كنا نراهن على الزمن لتحقيق فرحة نبحث عنها، نركض بلهفة، فالعمر لا ينتظر، والزمن ليس صديقاً لطيفاً، لا أعلم من أين أبدأ، لأكتب لكم عن كل تلك الوسائل الترفيهية البريئة التي كانت تمثل رحيق الحياة ومعنى الدنيا، ولكن أعلم متى انتهت، وذلك بدخول المجتمع في «سونامي من المطبات الاصطناعية الغبية»، تدخل مسجداً للصلاة، بعد الصلاة يناشدك الإمام بالجلوس والاستماع لدرس مدته عشر دقائق كافية لتكفير كل البشر قاطبة، وهذا الإمام كان واحداً من مجموعة بالخارج أغلقوا عقولهم ثم رموا بالمفتاح في البحر، جماعات ذبحوا الفن والجمال والإبداع بمدى الانغلاق والتخلف ونصال البراء والكهنوت، وأصبح عذاب القبر والثعبان الأقرع وأسياخ الحديد الملتهبة وتهشيم الرؤوس، وسلخ الجلود متصدرة الموقف، وفي الوقت الذي كان العالم يتحدث عن الرقائق الدقيقة والألياف الضوئية، و«النانو تكنولوجي» والوصول للمريخ، و«الجينوم» كان أولئك يتناقشون في هل يجوز أكل لحم الجن، وهل يجوز صيد طائر العنقاء، وهل يجوز بيع الكلاب والقطط، وحرموا إهداء الزهور للمرضى، والتصفيق، وتحية العلم، والوقوف للسلام الملكي، حرموا الحياة، ورحلت الفرحة عن البيوت والطرقات، لم يعد العالم مبهجاً، لم يعد دافئاً، أصبحت الحياة ثقيلة وكئيبة، هناك اصطلاح في عالم المستشفيات، أن فلاناً، «مات إكلينيكيا» على الرغم من أن جسمه حي، ونحن كمجتمع في مرحلة ما، كان هذا الاصطلاح ينطبق علينا، كنا نعيش ولكن أرواحنا ميتة، أصعب شيء، أن تكون ميتاً بالحياة، أن يموت ما بداخلك، أن تفقد الرغبة في الحياة، والكلام، والتنفس، أن تنام هرباً من الحياة، وأن تعيش جسداً بلا روح، كانت لدي قناعه بأننا كنا نعيش «ضموراً حضارياً»، ولكنني كنت أحتفظ بتلك القناعة لنفسي، كنت أشعر بأن هناك تفاصيل كثيرة في بلدي ضلت طريقها إلى الفرح، ومنها عدم وجود دور سينما، أو دور مسرح، أو دار أوبرا، كنت أتعامل مع هذا الحرمان، كوحش ينتظر الفرصة ليخرج، كانت ألقمه بمسكنات أتفنن في اختراعها، أشاهد السينمائي في «كنساس سيتي» والأوبرا «في القاهرة، ودبي وفينا»، والمسرح في «لندن» كان ما أمارسه لا أجاهر به، أليس هذا سيراً عكس المألوف؟ في كل الدنيا يمارس الناس قناعتهم، ويعلنون عنها، هنا عشنا ولفترة حياتين واحدة في العلن والأخرى في السر! ولا أعلم ما الثمن الذي دفعناه قرباناً لهذه الازدواجية!! كنت دائماً أشعر بالعار وأنا أحكي لأحفادي في السهرات الدافئة عن أحلام تراودني، لأفيق وأجد معظمها تحقق! كنت ألتقط صور النجوم تزين مدخل دور السينما عندما كنت في مدينة «الرياض» وأبعث بها لأحفادي، اليوم التقطت لهم صورة لمدخل مبني دار السينما في «الرد سي مول» قبال منزلي، كنت فرحاً كطفل مفطوم حديثاً في فمه بقايا حليب، وفوق وجهه دهشة طعام جديد، خطوات تتسارع، تحقق الأحلام التي كانت مستحيلة، كل صباح يشرق بحلم جديد، يجعل الظلام يتلاشى، أكتب لكم كل هذا اليوم بسعادة وبهجة وانشراح؛ لأن الكتابة تخلد الألم كما تخلد الفرح.

* كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com