بالأمس ونحن نودع الأمير طلال بن عبدالعزيز، رحمه الله إلى مثواه الأخير، تداعت إلى ذهني أسئلة كان يطرحها إعلاميون، فضلا عن التنمويين حول كمية ونوعية القضايا التي يتبناها برنامج الخليج العربي للتنمية (أجفند).

في الحقيقة من النادر أن تجد منظمة تجمع في وظيفتها الأساسية بين قضايا تبدو متعددة وربما غير متجانسة من وجهة نظر البروتوكول الإداري والمؤسسي. لكن الذين جاؤوا للتنمية من باب الثقافة يدركون أن كل قضايا الإنسان لها جذور واحدة تشرب من ماء واحد مهما بدت تلك القضايا متباعدة ومتنافرة ومتناقضة أحيانا.

فقد يطول الوقت أحيانا كي نفهم طول المسافة بين بعض تلك المتناقضات أمامنا على سطح الواقع، لكن التنموي الذي جاء من باب الثقافة يرى أفقيا بعين الثقافة ورأسيا بعين التنمية.

الذين عملوا عن قرب مع الأمير طلال بن عبدالعزيز خاصة في برنامج الخليج العربي (أجفند)، قطعا تعرضوا لسؤال يتكرر حول سبب تبني (أجفند) لقضايا تبدو كثيرة وغير منسجمة أحيانا بعضها مع بعض مثل الفقر والطفولة والمياه والمرأة والتعليم والصحة والبيئة وذوي الاحتياجات الخاصة.

بل إنهم حتما تعرضوا لسؤال آخر، وهو كيف استطاع (أجفند) أن يوفق في تعامله بين مختلف الأطر والمؤسسات في القطاعات الحكومية وقطاع المجتمع المدني والمنظمات الدولية والإقليمية دون أن يختل عمل (أجفند) أو يفقد توازنه لصالح هذه القضية أو على حساب تلك القضية مع هذا القطاع أو على حساب هذا القطاع.

الإجابة باختصار شديد هو أن التنموي الذي يأتي من باب الثقافة يعرف جيدا أن قضايا الإنسان واحدة، وأن حلولها يجب أن تنطلق من نظرة واحدة، وهذا ما عمل به (أجفند). فمشكلات الإنسان في التعليم أو في المياه أو البيئة أو الصحة تصب في مصب واحد ولا يمكن فصل بعضها عن بعض.

عرفت طلال بن عبدالعزيز المحاور والمناقش في القضايا التي يؤمن بها، هاجسه دائما هو البحث بأدوات التنمية تارة وبمنهجية المفكر تارة أخرى. له العديد من المؤلفات، لكنه قارئ نهم في العديد من مجالات القراءة.

لقد عكس (أجفند) فكر مؤسسه الأمير طلال، في كل مراحل تطوره التنموي حتى وقف أجفند خلال أربعين عاما على هذا التراكم والكم الهائل من الخبرة والمعرفة في التعامل حتى مع تناقضات الدول العربية وبيروقراطياتها التي تعاملت معها مشاريع (أجفند) وعرفتها عن قرب. كل ذلك كان بفضل فكر مؤسسه وعلاقاته الثقافية من ناحية وعلاقته التنموية الواسعة في العديد من الدول العربية، فضلا عن قناعته الراسخة بأن هناك مفاتيح للعمل التنموي في الدول العربية يمكن استخدامها بالطريقة الصحيحة للنهوض والتقدم.

فخلال العقدين الأخيرين، نجح (أجفند) بفضل فكر وفلسفة مؤسسه ومع الاستعانة بمؤسس بنك الفقر محمد يونس وذلك بتأسيس بنك الفقر (بنوك الشمول المالي والتمويل الأصغر) وتشغيل هذه البنوك في 9 دول هي: فلسطين والبحرين والأردن واليمن وسورية ولبنان وسيراليون والسودان وموريتانيا يستفيد منها أكثر من أربعة ملايين مستفيد.

فيما نجح (أجفند) خلال نفس الفترة تقريبا بتأسيس وبسط فروع الجامعة العربية المفتوحة إلى 9 دول هي: فلسطين والسعودية والسودان ومصر ولبنان والأردن والكويت والبحرين وعمان، حيث بلغ عدد الطلاب والطالبات المستفيدين والمستفيدات ما يناهز 33000 طالب وطالبة، جلهم ممن حالت دون تعليمهم عوائق تنموية أو اجتماعية أو مادية.

كل هؤلاء من الطلاب والطالبات العرب وكل الذين أسهمت بنوك الفقر بتغيير مسار حياتهم في مختلف مجتمعاتنا العربية، يودعون المفكر والمثقف والتنموي طلال بن عبدالعزيز، كما ودعه الكثير من الأرامل والأيتام والمحبين والمهتمين بقضايا شتى سخر لها طلال بن عبدالعزيز وقته وماله وفكره من حقوق الطفل إلى تحسين التعليم والنهوض بالصحة والحفاظ على المياه كأحد مصادر الحياة وتمكين المرأة وتمكين المجتمع المدني.

وامتدادا لنفس الفكر الذي وظف الثقافة في التنمية، نجح (أجفند) في تنفيذ مشروع الطفولة في 12 دولة عربية، فيما نجح (أجفند) وضمن نفس الحاضنة الفكرية في تنفيذ مشروع صحة الأسرة العربية في 16 دولة عربية.

إن ما حققه وحاول أن يحققه الأمير طلال بن عبدالعزيز في الدول العربية من تنمية يفوق بمراحل ما حققته الكثير من المنظمات العربية المتخصصة، رغم كل الصعوبات والتحديات التي كثيرا ما كانت تعتري العلاقات العربية ــ العربية، لولا الصبر والإيمان والقناعة لديه بأن مستقبل التنمية في أي دولة عربية مرتبط بمستقبل التنمية في الدول العربية الأخرى، خاصة في عالم تحكمه التحالفات وتتحكم به المصالح.

وداعا طلال بن عبدالعزيز، وداعا صديق الفقراء، وصديق الأطفال، إلى جنة الخلد بإذن الله. وخالص العزاء للأسرة المالكة الكريمة ولأبناء وبنات الفقيد وأحفاده ومحبيه.

* كاتب سعودي

Dwaihi@agfund.org