لاشك في أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بسحب قوات الولايات المتحدة من شرق الفرات قرار مفاجئ وصادم لحلفائه من الأكراد والعشائر العربية في الداخل السوري، وهو بالتأكيد سيعيد إرباك المشهد في سورية ويعود به إلى الخلف، لكن قرارا كهذا بالنسبة لترمب مبرر في ظل حاجته الماسة حاليا إلى ورقة شعبوية يداعب بها الداخل الأمريكي تحت ضغط الهجمات التي يتعرض لها من كل صوب في بلاده، فهو من ناحية يواجه تهديدا لسلطاته بعد فوز الديموقراطيين بأغلبية مجلس النواب ومن ناحية أخرى ما زال يتلقى رماح وسهام إعلام اليسار بشكل متصاعد وغير مسبوق، هذا بجانب بدء استعداد المحقق الخاص في التدخل الروسي بالانتخابات الأمريكية 2016، روبرت مولر، لتقديم تقريره النهائي منتصف فبراير المقبل (وفق ما نقلت شبكة «إن بي سي نيوز» الأمريكية عن مسؤولين حكوميين).

أزمات الرئيس ترمب منذ توليه منصبه في تزايد مستمر لكنه قادر حتى الآن على إدارتها بشكل جيد وهو بقراره الأخير ينفذ أحد الوعود التي وعد بها ناخبيه قبل توليه الرئاسة، بل إنه من المرجح أن يعلن عن سحب نحو نصف الجنود الأمريكيين الموجودين في أفغانستان أيضا، لكن المستفيد بلا شك من انسحاب الأمريكيين من شرق الفرات هو النظام الإيراني، فرغم عدم ضخامة القوات الأمريكية في سورية (نحو 2000 مقاتل) إلا أن الوجود الأمريكي خلق توازنا في القوى على الأرض ومنح الأكراد والعشائر العربية في تلك المنطقة مظلة استقلالية وحماية من جيش النظام السوري والمليشيات الأيرانية، أما الآن ومع التهديد التركي القائم فمن الواضح أن قوات سورية الديموقراطية (قسد) وهي أشرس محارب لداعش باتت بين فكي الكماشة الإيرانية التركية، وهو أمر جعل الأكراد يشعرون بالخذلان وبأنهم تعرضوا لعملية خيانة غير متوقعة من واشنطن.

من جهة أخرى وبعيدا عما سبق يمكن النظر للمسألة من زاوية مختلفة؛ فقد يكون الانسحاب الأمريكي من سورية انسحابا تكتيكيا يحمل خلفه إعصارا، وهذا برأيي احتمال قائم لا يمكن تجاوزه، فهناك معطيات تشير إلى احتمالية توجيه ضربة عسكرية أمريكية للنظام الإيراني في عقر داره منها استقالة وزير الدفاع الأمريكي الذي يبدو أنه استاء من حجب الرئيس عنه قراراته المتعلقة بالدفاع ومسبباتها الحقيقية وعلى رأسها قراره الأخير المفاجئ، كما أن من المعطيات المهمة في هذا الجانب عودة حاملة الطائرات الأمريكية جون ستينس إلى مياه الخليج العربي أمس الأول (بعد غياب استمر لأكثر من 17 عاما)، ترافقها مجموعة من سفن الطراد الصاروخي «موبايل باي»، والمدمرات «ديكاتور وميتشر»، إضافة إلى غواصة ذرية، وبالطبع لم تأت هذه الترسانة العسكرية إلى المنطقة قاطعة آلاف الأميال بهدف السياحة والتشمس على شواطئ الخليج.

الإيرانيون من جهتهم يعيشون في أزمة اقتصادية خانقة بعد إعادة فرض الحصار الأمريكي عليهم وانكماش مشروعهم الإقليمي، ولو تلقوا ضربة عسكرية خلال الأسابيع أو الأشهر القادمة سيضطرون للانسحاب من سورية والعودة إلى قواعدهم في الداخل الإيراني مجبرين للمواجهة، فهل هذا ما تخطط له إدراة الرئيس ترمب حاليا؟

ربما.. من يدري؟ فالأيام حبلى بالمفاجآت.

* كاتب سعودي

Hani_DH@

gm@mem-sa.com