«عكاظ» (جدة)
لم يختر 18 ديسمبر من كل عام، يوما عالميا للاحتفال باللغة العربية مصادفة، فهو اليوم الذي قررت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة إدخالها ضمن اللغات الرسمية في الجمعية إدراكا منها بدورها في حفظ ونشر حضارة الإنسان وثقافته، كما أنها لغة 19 عضوا من أعضاء الأمم المتحدة (في ذلك الوقت).

وقررت الأمم المتحدة في عام 2010، الاحتفال باللغات الست الرسمية في المنظومة الأممية، وحددت 18 ديسمبر يوماً عالميا للغة العربية. فيما احتفى بها لأول مرة في احتفال أقامته «اليونسكو» عام 2012. دعت فيه إلى الترويج الرسمي والأممي للغة العربية التي يتحدث بها أكثر من 420 مليون عربي، فضلا عن مليار ونصف المليار مسلم حول العالم، خصوصا في ما يتعلق بالقرآن الكريم والعبادات والشعائر والسنة النبوية ومختلف فروع الفقه.

وتحتوي اللغة العربية على 12 مليون مفردة ولم يقل فيها (الفصحى) إلا لتمييزها عن باقي اللهجات السائدة عند العرب، تبعا لما ورد في (المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام) للعلامة العراقي جواد علي، والذي نقل أن عدد مفردات العربية يصل بالتحديد إلى 12305052 مفردةً، وهي بذلك، أغزر لغة في التاريخ، كما أنها تتفوق على اللغة الإنجليزية التي تحتوي على 600 ألف مفردة.

ويؤكد مستشرقون كبار منهم الألماني تيودور نولدكه أن لغة قريش هي اللغة العربية الفصحى، وأنهم «أفصح العرب لساناً وأصفاهم لغة»، أما المستشرق الألماني، مارتن هارتمان، فيشدد على أن العربية الفصحى هي لغة أعراب (نجد) و(اليمامة). فيما لاحظ المؤرخ فؤاد حمزة، في كتابه (قلب جزيرة العرب) الصادر في ثلاثينات القرن الماضي وأصبح مرجعاً لكبار الباحثين، أن «حاضرة نجْد» الآن، هي أقرب إلى «اللهجة الفصيحة من حاضرة الحجاز». ويلفت الراغب الأصفهاني في كتابه (المفردات في غريب القرآن) إلى أن معنى الفصاحة مأخوذٌ أصلا من اللَّبَن، باعتبار الفصح هو «خلوص الشيء مما يشوبه وأصله في اللبن، إذا تعرّى من الرّغوة، ومنه استُعير فصح الرجل، (أي) جادت لغته، وأفصح تكلّم بالعربية».

المملكة تشارك «اليونسكو» في الاحتفاء بـ«لغة الضاد»

من جانبه نشر الموقع الرسمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) على «تويتر» برنامجا كاملا بالفعاليات الاحتفائية بهذا اليوم، الذي سيتم فيه تنظيم حفلة موسيقية، إضافة لعقد عدد من الندوات التي تخص اللغة العربية والشباب العربي.

وفي حضور سعودي لافت، شاركت المندوبية الدائمة للمملكة العربية السعودية لدى اليونسكو، ومؤسسة سلطان بن عبدالعزيز آل سعود الخيرية في تنظيم الفعاليات التي تخللتها أنشطة عدة تسلط الضوء على العلاقة الوثيقة بين اللغة العربية، وقضايا الهوية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والفنون.

هل تختبئ «الفصحى» في باطن الأرض ؟

حين سُئل واضع أول معجم في اللغة العربية الفراهيدي، الخليل بن أحمد 100-170 للهجرة، عن المكان الذي أخذ منه علمه، قال: «من بوادي الحجاز ونجْد وتهامة». وبحسب العلاّمة فؤاد حمزة، فقد أجرى مسحاً لغوياً في الجزيرة العربية، في مطالع القرن الماضي، وضمّنه كتابه "قلب جزيرة العرب"، وتحادث مع أشخاص من قبيلة "فَهْم"، التي تقع منازلها بين ثقيف شمالاً والجحادلة غرباً، وهي من أقرب الأنساب إلى قريش، ويعمل أبناؤها في رعي الماشية والجِمال، فوجد أن لهجتهم «أقرب اللهجات الحاضرة إلى العربية الفصحى». كما قال في كتابه المرجعي.

وبين الأصلين المتمثلين بالنص القرآني الذي يراه إخباريون عرب بأنه نزل بلغة قريش صاحبة الفصحى، ولهجات القبائل الأخرى، لأصل العربية الفصحى، ينتظر جميع الباحثين في اللغة العربية ما ستسفر عنه التنقيبات الأثرية، وما يخبّئه باطن الأرض في شبه الجزيرة العربية من لقى أثرية أو مخطوطات مدفونة منسية قديمة قدم هذه اللغة التي تعدّ من أهم اللغات السامية، وذلك للكشف عن أسرار تطور هذه اللغة ووصولها إلى شكلها الفصيح الحالي، الذي يعدّ من أهمّ التحديات التي يشمّر لها الباحثون سواعدهم، وهم في بحثهم الحثيث القديم الجديد الذي لمّا تكتمل الإحاطة التامة به بعد.