ما إن تحدث جريمة تشغل الرأي العام، حتى يبادر الصحفيون والصحفيات بالاتصال بي لاستطلاع الرأي حول مقدار العقوبة القانونية التي يستحقها الجاني، وهذه لم تكن يوماً من الأيام معضلتي، بحكم الخبرة الطويلة والاطلاع الواسع على كافة الأنظمة المرعية، لكن المعضلة الأبدية التي أواجهها: أن العقوبة التي أحددها وفقاً لنص النظام تبقى في نظر الناس مجهولة المعالم!

العلة في غموض العقوبة تعود للصياغة الفضفاضة التي تعتمدها المواد النظامية، فمثلاً: شاب في مقتبل العمر دفعه حماسه ولنقل طيشه لكتابة تغريدة ونشر صورة تحوي إساءة لأحد الأشخاص، الإنسان العادي يدرك من جهته أن الشاب أخطأ ويستحق العقوبة، لكنه لا يعلم كيف يتم تكييف المخالفة وما هي مراحل المحاكمة وما هي التهم التي ستوجه إليه وما نوع العقوبات التي ستطبق عليه؟! وهنا يأتي دور المستشار القانوني الذي تستعين به الوسيلة الإعلامية لمواكبة الحدث ونشر الثقافة والمعرفة بين أفراد المجتمع.

ربما كان المتوقع لدى المشرع الذي سن النظام أو لدى الصحيفة التي تتابع الجريمة أن العقوبة كلما كانت كبيرة كلما كانت رادعة ومثيرة، لكن الواقع للأسف يقول إن المبالغة بالعقوبة يورث اللامبالاة والسخرية، فحين تقول إن ذلك الشاب الذي أساء بالتغريدة ستنطبق عليه العقوبة الواردة بنظام مكافحة جرائم المعلوماتية وهي السجن مدة تصل لسنة أو غرامة تصل لخمسمائة ألف أو بهما معاً، فإنك بذلك تثير استخفافه بدلاً من مخاوفه، لهذا تجده يقول ساخراً: يا شيخ لو أنها دية ما وصلت لهذه القيمة!

المفترض أن يحتوي كل نظام على لائحة جزاءات مشفوعة بجدول يوضح نوع المخالفة أو الجريمة ومقدار العقوبة المترتبة عليها في كل مرة، أما أن يكتفى بتحديد السقف الأعلى للعقوبة البدنية أو المالية ويترك الأمر في تقديرها لسلطة القاضي فإنها ستعيدنا للمربع الأول وهو الاجتهاد والعقوبة التعزيرية، مما تنتفي معه الغاية من تقنين الأحكام وإقرار الأنظمة لإرساء العدل بين الناس.

طالما كان العدل هدفنا، علينا أن نخضع القوانين المرعية للدراسة النقدية الهادفة، علينا أن نفتح لها الصوالين الأدبية، ولا بأس أن نتقمص شخصية الناقد الأدبي الذي يضع النظارة على أرنبة أنفه ولا يهتم بشنبه الكث وهيئته المريبة وهو يتناول الرواية أو المجموعة الشعرية بالنقد والتحليل الوافي، علينا أن نقولها بصريح العبارة: ثمة خلل بالعقوبة، أضعف البناء التكويني للعمل حتى ظهر باهتاً وغير متماسك، ثمة أكثر من عقوبة على مخالفة واحدة، وثمة عقوبة على ضرر معنوي أكبر من عقوبة الضرر الجسدي، وثمة خيط رفيع بين الحداثة والحرية المفرطة التي قد تفقد النص عناصره الأساسية، لحظة وين رايح؟ شكلي اندمجت بالدور حتى لحق مقالي ببعض الأنظمة المبالغ فيها!