تسود ربوع العالم -غربا وشرقا- هذه الأيام، ظاهرة اقتصادية نعرفها جيدا، وأقصد بها ظاهرة تنزيلات وتخفيضات الأسعار في شتى السلع والمنتجات. ففي الغرب يحتفلون بأعيادهم وبنهاية العام الميلادي 2018، وفي الشرق، كثير من الدول العربية قد سار على نهجهم، ويكفي أن تزور دولة غربية أو عربية، أو تشاهد قنواتهم الفضائية أو تقرأ صحفهم، كي تعلم مدى انتشار ظاهرة تنزيلات أسعار السلع والمنتجات، حيث يقبل الجمهور على شراء مستلزماتهم وهداياهم، بل أحيانا يشتري البعض دون حاجة لهذه المعروضات، وإنما لمجرد أنها باتت معروضة بسعر أقل، دون التحقق من تخفيض السعر تخفيضا حقيقيا، ودون التأكد من جودة هذه السلع والمنتجات.

اندهشت كثيرا عندما رأيت إعلانا عن منتج يبشر الجمهور بتنزيلات قدرها 80%، بمناسبة ما يسميه الغرب بـ«الجمعة السوداء»، والتي حورتها دول كثيرة إلى «الجمعة البيضاء» أو غيرها من الأسماء، حتى لا يسيئوا لهذا اليوم المبارك.

تدبرت الأمر مليا، وسألت نفسي -وهذا حق لي- أسئلة ساذجة، فمن المفترض أن تكون نسبة التنزيلات في أي سلعة هي نسبة الربح، لا من تكلفة المنتج، لأنها لو كانت من تكلفة المنتج لأشهر التجار إفلاسهم، ولتكبدوا خسائر فادحة. سؤال ساذج آخر: إذا كانت التنزيلات على منتج ما، من الأرباح، ونسبتها 80% أو حتى 50%، فكم يكون ربح التاجر؟ فهذه النسب المرتفعة، إن كانت حقيقية وصادقة، معناها أن التاجر يكسب نحو 100% فيما يعرضه من سلع، وهذا أمر غير معقول في عالم السلع الجيدة، غير المغشوشة.

إذن نحن أمام احتمالين لتفسير هذه الظاهرة الخطيرة، الأول هو أن أسعار المنتجات قبل موسم التنزيلات تختلف عن أسعارها بعد التنزيلات، وفق المكتوب على السلعة، فالمكتوب يقول إنها كانت قبل التنزيلات مثلا بمئة ريال، وبعد التخفيضات أصبحت بخمسين ريالا، والحقيقة أنها كانت بخمسين أو ستين ريالا، ثم أصبحت بخمسين ريالا، وهذا كذب وتحايل مؤكد.

الاحتمال الثاني، هو أن هذه السلع المعروضة أقل جودة من مثيلاتها التي كانت معروضة قبل التنزيلات، وهذا ما سمعته في إحدى القنوات الإخبارية الغربية، حيث تم ضبط مصانع لإنتاج نفس السلع، وبجودة أقل، خصيصا للجمعة السوداء عندهم، ولمواسم التنزيلات والتخفيضات.

وكلا الاحتمالين له دلالة واحدة، وهي أننا أمام حملات مخطط لها، للاحتيال على جمهور المستهلكين، وسلب أموالهم، وتحقيق أرباح طائلة بصورة غير شرعية.

خراب الذمم والضمائر، ليس مقصورا على مجتمعاتنا الشرقية والعربية على وجه الخصوص، كما يعتقد البعض، وإنما هو سلوك بشري وإنساني نجده طالما وجد الإنسان.

وأخيرا: هل بات التاجر الصدوق الأمين نادر الوجود في زمننا هذا؟