عبدالله الغامدي (الرياض)
يدشن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، الأحد القادم، مشروع تطوير حي الطريف ضمن برنامج تطوير الدرعية التاريخية أحد المشاريع الوطنية الرائدة التي حظيت بالاهتمام والمتابعة المباشرة من الملك سلمان الذي تبنى هذا المشروع انطلاقا من أهمية تطوير هذا المعلم التاريخي البارز والمحافظة عليه. وقد أولى رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني عضو اللجنة العليا لتطوير الدرعية الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، أهمية خاصة للحفاظ على الدرعية التاريخية، ورفع مقترحا لتطويرها نتج عنه هذا المشروع الذي يمثل نموذجاً ناجحاً للعمل بمنهج الشراكة بين الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، والهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، ومحافظة الدرعية، وتابع مراحل العمل فيه من خلال زياراته المتتابعة للموقع، إضافة إلى تبنيه ومتابعته ملف ضم «الدرعية التاريخية» لقائمة التراث العالمي التابعة لليونسكو.

ويمثل مشروع تطوير الدرعية التاريخية جانبا من اهتمام الدولة بالتراث الوطني وتنميته، لدوره في حفظ تاريخ الوطن وإبراز مساهمة أبنائه في ملحمة تأسيسه ووحدته، كما أنه شكل لاحقا أحد العناصر المهمة لمشروع خادم الحرمين الشريفين للعناية بالتراث الحضاري الذي اعتمدته الدولة أخيرا.

تطوير الدرعية

ونظرا لأهمية الدرعية التاريخية والحاجة إلى برنامج تطوير حضاري تنموي يبرز دورها التاريخي ويجعل منها مركزاً ثقافياً وحضارياً على المستوى الوطني، فقد وجه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز (أمير منطقة الرياض رئيس اللجنة العليا بمناسبة مرور 100 عام على تأسيس المملكة آنذاك) بتشكيل لجنة لدراسة تطوير الدرعية، بناءً على مقترح قدمه الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، وهدفت تلك اللجنة التي رأسها الأمير سلطان بن سلمان إلى وضع برنامج تطوير حضاري تنموي شامل لإبراز الدور التاريخي للدرعية وجعلها مركزاً ثقافياً سياحياً على المستوى الوطني.

وضمت اللجنة في عضويتها كلا من: المهندس عبداللطيف آل الشيخ عضو الهيئة العليا لتطوير منطقة الرياض رئيس مركز المشاريع والتخطيط بالهيئة (سابقاً)، والدكتور سعد الراشد وكيل وزارة التربية والتعليم للآثار والمتاحف (سابقا)، والمهندس حسن بن عبدالرحمن آل الشيخ رئيس بلدية الدرعية (سابقا)، وعدد من المختصين.

وفي عام 1419 صدر أمر سامٍ بالموافقة على البرنامج المقترح لتطوير الدرعية، وأن تتولى الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض مسؤولية تنفيذه، وتشكيل اللجنة التنفيذية العليا لتطوير الدرعية برئاسة رئيس الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض وعضوية كل من: الأمين العام للهيئة العليا للسياحة (آنذاك)، ومحافظ الدرعية، وأمين دارة الملك عبدالعزيز، وعضو الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض رئيس مركز المشاريع والتخطيط بالهيئة، ووكيل وزارة المالية لشؤون الميزانية والتنظيم، ووكيل وزارة الشؤون البلدية والقروية لتخطيط المدن، والرئيس التنفيذي للشركة السعودية للكهرباء، ومدير عام المياه بمنطقة الرياض، ورئيس بلدية محافظة الدرعية، ومدير عام القطاع الأوسط بشركة الاتصالات. وعلى إثر ذلك تم اتخاذ عدد من الإجراءات ونفذت مجموعة من الدراسات المتخصصة ووضعت التصاميم المتنوعة وفقاً لأهداف التطوير. ومن أبرز تلك الإجراءات إقرار الخطة التنفيذية النهائية لتطوير الدرعية التي اشتملت على مجموعة من البرامج والمشاريع، التي تتولى الهيئة العليا لتطوير الرياض تنفيذها بالتعاون مع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني وبالتنسيق مع محافظة وبلدية الدرعية والجهات ذات العلاقة. وانطلقت الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني مع الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض من توصيات «اللجنة التنفيذية العليا لتطوير الدرعية»، وعملتا بشراكة كاملة لبلورة الفكرة الأساسية للمشروع والعمل على تفاصيله، وتوجيهه نحو التطوير المتوافق مع أعلى المعايير الدولية والتجارب الناجحة في تطوير المواقع التراثية، وقدمت هيئة السياحة ما تملكه من معرفة في تطوير المواقع السياحية، وأسهمت فيه الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض بخبرتها العريضة في الإشراف على المشاريع الكبرى، مع الاستعانة بإسهامات عدة جهات في مجالات عملها من أبرزها محافظة الدرعية، ودارة الملك عبدالعزيز.

من جهتها عملت الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني على إجراء أعمال البحث العلمي في موقع حي الطريف، وشكلت فريقا متخصصا من قطاع الآثار والمتاحف في الهيئة لإجراء التنقيبات الأثرية بالموقع، وذلك لتحديد معالم المباني والمنشآت، وتحديد فترات المراحل المعمارية، والمراحل السكنية، وأعمال التسجيل والتوثيق في الموقع. وتمت هذه الأعمال في عدد من الوحدات الموجودة في الموقع مثل: جامع الإمام محمد بن سعود، وقصر إبراهيم، وقصر سلوى، وقصر مشاري، وقصر تركي، وقصر فرحان، والوحدات والمنشآت المائية في الموقع. وصدر عن الهيئة العامة للسياحة تقرير مفصل ومصور عن النتائج الأولية للأعمال الميدانية في حي الطريف، متضمنا المعلومات التاريخية، والطبقات الأثرية والعناصر المعمارية، والمراحل السكنية، والمراحل البنائية لكل موقع.

قائمة التراث العالمي

توجت جهود الدولة في حماية الدرعية التاريخية، وما يحظى به الموقع من أهمية تاريخية، باعتماد ضمه إلى قائمة التراث العالمي التابعة لليونسكو عام 1431. وجاءت «الدرعية التاريخية» الموقع السعودي الثاني المسجل في القائمة العالمية بعد (مدائن صالح) الذي تم تسجيله عام 1429 وتلا موقع الدرعية موقع جدة التاريخية عام 1435. ثم صخور حائل عام 1436 وواحة الأحساء عام 1439. وحظي موضوع تسجيل الدرعية التاريخية في قائمة التراث العالمي باهتمام خاص ومتابعة من رئيس الهيئة، وصدرت موافقة المقام السامي الكريم على تسجيل حي الطريف بالدرعية التاريخية ضمن قائمة التراث العالمي، وتم الرفع إلى لجنة التراث العالمي بطلب تسجيله، وسلمت الهيئة ملف ترشيحه إلى منظمة اليونسكو مطلع عام 1430، ثم قام رئيس اليونسكو بزيارة لحي الطريف في ربيع الأول لعام 1430، وقامت الهيئة العامة للسياحة بإنجاز الخطوات التالية وهي: تأسيس إدارة للإشراف على تراث الدرعية التاريخية ضمن قطاع الآثار والمتاحف بالهيئة، وإعداد الدراسات المتخصصة والدورات التدريبية للقوى العاملة في مجال حماية التراث، واتخاذ تدابير الحماية المشددة لحفظ تراث الدرعية وفق مقررات نظام الآثار واللوائح التنظيمية للهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، واعتماد الاعتبارات الثلاثة في ما يخص تطوير حي الطريف وهي (الأصالة، والقيمة العالمية المميزة، وتكامل العناصر) لتأهيل الحي للتسجيل على قائمة التراث العالمي.

دور هيئة السياحة

ويتمثل نطاق عمل الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني في مشروع تطوير الدرعية في الإسناد الفني والعلمي المتخصص للمشروع، والمشاركة في مراجعة وتقييم المخططات الهندسية لمشاريع حي الطريف، وباقي أحياء الدرعية التاريخية، إضافة إلى تنفيذ أعمال التنقيب الأثري الاستطلاعي في الموقع، والإشراف على أعمال حفريات البنية التحتية لحي الطريف للحفاظ علي أي ظاهرة معمارية. كما تتولى الهيئة مراجعة سيناريوهات العروض المتحفية، والمشاركة في إعداد خريطة بمواقع الأحداث التاريخية في حي الطريف والدرعية التاريخية، والمشاركة في وضع الأفكار الأولية والتصور العام لتصميم حي البجيري وحي الطريف. وبعد افتتاح المشروع ستتولى هيئة السياحة تشغيل الموقع بما في ذلك تحويل حي الطريف الذي يحوي قصر الحكم ومؤسسات الدولة السعودية الأولى إلى متحف حي وسط منظومة من الأنشطة المتعددة، وذلك لاستيعاب الأنشطة الثقافية والاجتماعية والتراثية، إضافة إلى جذب الاستثمار السياحي للمشروع بعد انتهائه، وتطوير منتجات سياحية في المدينة التاريخية مثل أنشطة الحرفيين، ومحلات الهدايا والتذكارات، والمأكولات الشعبية، وتشغيل مركز الزوار.

تأهيل حي سمحان

يعد حي سمحان في الدرعية من المواقع التي تسلمتها الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني لتنفيذ مشروع لإعادة تأهيله وتحويله إلى فندق تراثي سيكون باكورة مشاريع الشركة السعودية للضيافة التراثية التي أطلقتها الهيئة العامة للسياحة أخيرا بمشاركة صندوق الاستثمارات العامة وعدد من شركات القطاع الخاص. وتقوم الهيئة بإعداد خطة تشغيلية لاستغلال الموقع (اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وتراثيا وسياحيا) وتحويله إلى نزل تراثية، بحيث يتم إحياؤه وإحداث التفاعل الإيجابي بين البيئة المحلية من جهة بما تمثله من منتجات محلية وتراثية وحرف يدوية والخطة السياحية التراثية للموقع، وتم التنسيق لإعادة تأهيله مع أحد بيوت الخبرة الإسبانية للتعاون في مجال الحفاظ على الحي وفق المعايير الدولية.

وقد أنهت الشركة الإسبانية «المجموعة الدولية للترميم» إعداد دراسات المرحلة الأولى «الدراسات الميدانية» التي شملت الرفع المساحي والمعماري ورفع الأنقاض وكشف الأساسات والحالة الإنشائية للمباني التراثية وتحليل التربة والدراسات التاريخية، فيما تشمل المرحلة الثانية التي تمت ترسيتها التصاميم المعمارية والمخططات التنفيذية والتفصيلية للمشروع. وتكمن فلسفة المشروع في المحافظة على المباني القائمة في حي سمحان بجميع عناصرها المعمارية، من خلال معالجتها وترميمها بما يحافظ على مفرداتها وخصائصها التي تجسد البيئة المجتمعية والثقافية والاقتصادية، وتعكس نمط الحياة في الدرعية ممثلة في هذا الحي التاريخي، وفي حال المباني المتهدمة والمطمورة بشكل كامل، فإن الهيئة تعمل مع شركائها على إعادة بنائها باستخدام مواد البناء الأصلية التي شيدت بها منذ بداية تأسيسها الأول.